gocorporation
download
كتاب التوحيد - 47
291
عناصر المادة:

قال: (باب ما جاء في منكري القدر). عجيبة الياء هذه! كيف جاءت؟طالب: يا شيخ، حُذفت النون للإضافة.الشيخ: (منكري) الياء اللي جاءت هذه لأنَّه جَمْع، وأصلُه (منكرين)، لكن حُذفت النون للإضافة، كما يُحذَف التنوين أيضًا للإضافة؛ قال الشاعر:
كَأَنِّيَ تَنْوِينٌ وَأَنْتَ إِضَافَةٌ فَأَيْنَ تَرَانِي لَا تَحِلُّ جِوَارِي
هو يقول: (لا تحلُّ مكاني)، لكن ينبغي أن تقول: (لا تحلُّ جواري). إذَن نون المثنى ونون جمع المذكر السالم عند الإضافة؟ طالب: تُحذَف.الشيخ: تُحذَف. طيب، زين. فيه أيضًا اللي يقول:
كَأَنِّيَ مِنْ أَخْبَارِ (إِنَّ) وَلَمْ يُجِزْ لَهُ أَحَدٌ فِي النَّحْوِ أَنْ يَتَقَدَّمَا
هذا واحد يقول: ليش أنت دائمًا تتأخَّر؟قال:
كَأَنِّيَ مِنْ أَخْبَارِ (إِنَّ) وَلَمْ يُجِزْ لَهُ أَحَدٌ فِي النَّحْوِ أَنْ يَتَقَدَّمَا
لكنْ يُجيز النحويون أن يتقدَّم إذا كان يُجَرُّ، إذا كان جارًّا ومجرورًا يتقدَّم، إي نعم.إذَنْ (منكِري القَدَر) ما هو (القَدَر)؟ القَدَر هو تقدير الله عز وجل، تقدير الله تعالى للكائنات هذا هو القَدَر، وهو -أي القدر- سرٌّ مكتومٌ لم يُطْلع الله عليه أحدًا لا مَلَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مُرسَلًا، ولا نعرف قَدَر الله إلا إذا وَقَع، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.الشيخ: هو مكتوم عنَّا سواءٌ كان من الأمور اللي فيها الخير أو من الأمور اللي فيها الشر، ولا نعلمه إلا إذا وقع؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ القَدَر سرُّ الله عز وجل في خلْقه؛ لأنه ما هو معلوم.ثم اعلمْ أنَّ القَدَر يأتي بمعنى التقدير ويأتي بمعنى المقدَّر، كما أنَّ الخلْق يأتي بمعنى التخليق والتكوين ويأتي بمعنى المخلوق؛ فمثلًا تقول: هذا تقدير الله. واحد أُصيبَ بحادث مَثَلًا أو بمرضٍ تقول: هذا تقدير الله. بمعنى المقدَّر؛ أي: ما قدَّره. وتقول: إنَّ قَدَر الله للأشياء سابقٌ. يعني تقديره لها. هذا واحد. التقدير إذَن يأتي بمعنى فِعْل الله عز وجل وبمعنى مفعول الله عز وجل.ثانيًا: التقدير يكون مصاحبًا للفعل ويكون سابقًا له؛ فالمصاحب للفعل هو الذي تتعلَّق به القدرة، والسابق هو الذي قدَّره الله تعالى في الأزل. مثال ذلك: هذا رجلٌ خَلَقه الله عز وجل؛ خَلَق الله هذا الجنين في بطن أُمِّه، فيه تقدير سابق؛ تقدير علمي، متى يكون؟ طالب: قبل خلْق السماوات والأرض.الشيخ: قبل خلْق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وفيه تقدير مقارِن للخلْق والتكوين، هذا هو الذي تتعلَّق به القدرة؛ يعني تقدير الله لهذا الشيء عند خلْقه، هذا تتعلَّق به القدرة. الإيمان بالقَدَر يتعلَّق بتوحيد الربوبية أو بتوحيد الألوهية أو بتوحيد الأسماء والصفات؟طلبة: (...).الشيخ: أخصُّ ما يكون له من الأنواع توحيد الربوبية، وله تعلُّق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنه من كمال صفات الله عز وجل. والناس في القَدَر ثلاثة أقسام: غُلاةٌ في إثباته، وغُلاةٌ في نَفْيه، ووسطٌ. والمؤلف هنا تكلم على منكِريه وهم الغلاة في نَفْيه.الغُلاة في إثباته أثبَتوا القَدَر، لكنَّهم نفوا قدرة الإنسان واختيارَه وإرادتَه، وهؤلاء هم الجبرية؛ الجبرية قالوا: نؤمن بقَدَر الله، والله مقدِّر كل شيء، لكنَّ الإنسان ليس له قدرة ولا اختيار، تقول مثلًا وأنت الآن قُدِّم لك الغداء أو العَشاء، قال: طيب، قُدِّم، بدأ يأكل، باختيار ولَّا بغير اختيار؟ طلبة: باختيار.الشيخ: لا، يقول: بغير اختيار، يأكل بغير اختيار، وينتهي من الأكل بغير اختيار، وينام على فراشه بغير اختيار، كأنَّه أعمى ما يدري ما يفعل.جاء يصلي قال: أنت جئتَ تصلي باختيار ولَّا بغير اختيار؟ قال: بغير اختيار. كيف يصير لك أجر وأنت جاءٍ بغير اختيار؟!واحد فَعَل معصية، فعلتَ المعصية باختيار ولَّا لا؟ قال: لا، بغير اختيار. كيف يصير عليه إثم؟ وشو أنه يأثم المسكين وهو غَصْب عليه بدون اختيار وبدون قُدرة وبدون إرادة؟! قالوا: نعم، هل تُنكر أنَّ الله خالق كلِّ شيء؟ طالب: لا.الشيخ: ما تُنكر، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢]، وفِعْلك من الأشياء، فالله هو الذي خَلَقه.طالب: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦].الشيخ: نعم، خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ. إذَن ما لك قدرة ولا اختيار. ولا شكَّ أن هذا القول باطلٌ يُبطله الكتابُ والسُّنَّة والعقل وإجماع السلف؛ فالكتاب والسُّنَّة أثبتا للإنسان قدرةً واختيارًا، أو لا؟ طالب: نعم.الشيخ: ويش مثال الاختيار؟ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢]، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧]، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: ٢٨]. وفي القدرة: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]. إذَن فأثبتَ للإنسان إرادةً وقدرةً.هل أثبت له فعلًا؟ طالب: نعم.الشيخ: نعم، أثبتَ له فعلًا، وأثبتَ له عملًا: والله خبير بما تفعلون، أو لا؟ طالب: نعم.الشيخ: إذا كانت الآية كذا أو ما أعرف لفظها بالضبط الآن؛ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: ٨]، وفيه: بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل: ٨٨]، فأثبتَ للإنسان فِعْلًا وأثبتَ له عملًا.وأثبتَ له قولًا، أو لا؟ طالب: نعم.الشيخ: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧].أمَّا السُّنة فكذلك دلَّتْ على أن للإنسان إرادةً وله قدرةً؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وأحاديث كثيرة تمرُّ عليكم؛ الرسول يسأل: هل تريدُ كذا؟ قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا تَحَلَّلْتُ مِنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ، وأمثال هذا كثير.العقل أيضًا يدلُّ على أن الإنسان يفعل باختيار؟طالب: نعم.الشيخ: نعم، يدلُّ على أن الإنسان يفعل باختيار، ولَّا لا؟ ويفرِّق بين الفعل الاختياري والفعل غير الاختياري.سبحان الله! رجُل في أعلى الدرجة، قلنا له: استرحْ قليلًا. قال: واللهِ بأنزل، أنا عندي شغل. وبدأ ينزل من الدرجة على درجة درجة إلى أن وصل أسفلها، هذا باختيار ولَّا بغير اختيار؟طالب: باختيار.الشيخ: رجُل قلنا له: استرحْ قليلًا عندنا. قال: أنا لي شغل. مسكناه (...) إلى آخر الدرجات. باختيار ولَّا بغير اختيار؟ طلبة: بغير اختيار.الشيخ: الفعلان عند الجبرية على حدٍّ سواء، ولا أحد يشكُّ بأنَّ بينهما فرقًا.ذكروا أنَّ سارقًا جيء به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمر بقطع يده، فقال السارق: مهلًا يا أمير المؤمنين، واللهِ ما سرقتُ هذا إلا بقدر الله. قال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدر الله . حجَّه ولَّا لا؟ طلبة: نعم.الشيخ: مع أنَّ قطْع أمير المؤمنين يده فيه القدَر والشرع، وسرِقة السارق فيها القدَر دون الشرع؛ الشرع ما يأمره بأن يسرق، لكن يأمرنا بأن نقطع يده.فالحاصل أنَّ هذا القول -القول بالجبر والعياذ بالله- قولٌ باطل، ويترتب عليه من ظن السَّوء بالله شيءٌ كبيرٌ، يترتب عليه أن الله يظلم العباد، أو لا؟ طالب: نعم.الشيخ: حيث يعاقبهم على أمرٍ ليس باستطاعتهم.يترتب عليه أن الله يُثيب الإنسانَ بدون فعلٍ منه، وهذا سفهٌ؛ لأن المطيع ما أطاع بنفسه، إنما أطاع جبرًا عليه، فكوننا نُثيبه ونعطيه وهو ما فعل باختياره هذا سفه.يترتب عليه أنَّه يقتضي انتفاء حكمة الله تعالى في الشرع؛ لأنَّ الله يقول: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: ٧]، فإذا كان الإنسان اللي يُحسِن العمل واللي ما يُحسِن العمل كلاهما سواءٌ فأين الحكمة؟ فهو إذَن قولٌ باطل.الطرف الثاني قالوا: نحن اللي عندنا العلم، أنتم جُهَّال ما تعرفون، ولا عندكم عقلٌ ولا نظر، النظر عندنا، الإنسان حُرٌّ يفعل باختياره، وليس مَن به سلس البول كمن يبول بانتظام، أو لا؟ طالب: نعم.الشيخ: الجبرية ظنوا أنهم كلهم سواء، هؤلاء قالوا: أبدًا، ما يمكن نوافقكم على هذا، أنتم كلامكم هذا سفهٌ وجنون، الإنسان حُرٌّ -هذا كلام الذين ينكرون القدر- الإنسان حُرٌّ؛ يفعل باختيار، يأكل باختيار، ويشرب باختيار، وينام باختيار، ويصلي باختيار، ويصوم باختيار، أو لا؟ طالب: نعم.الشيخ: طيب.طالب: ويموت باختيار؟ الشيخ: لا، الموت ليس من فِعْله. فهُم يقولون كل هذا، فإذا كان كذلك فإنَّ الإنسان مستقلٌّ بعمله، ما لله فيه قدرة ولا لله فيه اختيار.ثم انقسموا إلى قِسمين: منهم مَن قال: إنَّ الله يعلم ما سيصنعه العبد وإنَّ الله تعالى مقدِّرُه، ومنهم مَن قال: إنَّ الله لا يعلمه ولا يقدِّره. واتفقوا جميعًا على أن الله تعالى لم يشأْه ولم يخلقه.فعندنا أربعة أمور: أنَّ الله عَلِمه، وقدَّره، وشاءه، وخَلَقه.القدرية اللي ينكرون القَدَر اتفقوا على أنَّ الله تعالى لم يشأْ أفعالَ العبد ولم يخلقها، ثم اختلفوا هل عَلِمها وقدَّرها أم لا؛ فقال غُلاتهم وقدماؤهم: إنَّ الله لم يعلمها ولم يقدِّرها، وقالوا: إن الأمر أُنُفٌ -يعني مستأنَف- وإنَّ الله لا يعلم من أفعال العباد إلا ما وقع، ما يدري ويش بيسوِّي العبد، لكن إذا وقع عَلِم به. وهؤلاء كفَّرهم السلف وقالوا: إنهم كفار؛ لأنهم أنكروا عموم عِلْم الله عز وجل.لكن استقرَّ أمْر القدرية على إثبات العلم والتقدير وعلى نَفْي المشيئة والخلْق؛ قالوا: إن الله لم يشأْ أعمالَ العباد ولم يخلقها، لكنَّه عَلِمها وقدَّرها. طيب، علمها وقدَّرها، إذا كان عَلِمها وقدَّرها هل وقعتْ على مقتضى عِلمه وتقديره أم لا؟ إن قالوا: لا، ما صاروا مؤمنين بذلك، وإن قالوا: على مقتضى عِلْمه وتقديره صارتْ واقعةً بمشيئته وخلْقه؛ ولهذا قال الشافعي وغيره من أهل العلم في هؤلاء القدرية (...). ويش معنى المناظرة؟ كل واحد يناظر الثاني؟ طالب: لا، (...).الشيخ: إلا، كل واحد يناظر الثاني يا إخواني، المناظرة كل واحد يناظر الثاني، ولكن يناظره عقلًا واستدلالًا ولَّا يناظره وجهًا؟طالب: عقلًا واستدلالًا.الشيخ: عقلًا واستدلالًا، طيب، إذَن يقول: (ناظِروهم بالعلم، إنْ أنكروه كفروا). صحيح؛ لأنَّ اللي يُنكر عِلْمَ الله عز وجل كافر (وإنْ أقرُّوا به خُصِموا). ويش معنى (خُصِموا)؟ يعني غُلِبوا؛ لأنهم إذا أقرُّوا بالعلم نقول لهم: طيب، هل جاء هذا المقدور أو هذا الفعل على مقتضى عِلْم الله أو على خلافه؟ إن قالوا: على مقتضى العلم خُصِموا، وإن قالوا: على خلافه فقد أنكروا العلم، والله أعلم.

***

مراتب القدر أربع، كلُّها يجب على الإنسان أن يؤمن بها: المرتبة الأولى: العلم؛ وذلك بأن تؤمن بأنَّ الله تعالى عَلِم كلَّ شيءٍ جملةً وتفصيلًا؛ عَلِم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كلُّ شيءٍ عَلِمه، الدقيق والجليل، ودليل ذلك في الكتاب كثير، منها قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، الأوراق التي تتساقط ميتة، أي ورقةٍ كانت صغيرة أو كبيرة، في بَرٍّ أو بحرٍ أو حضرٍ فإنَّ الله تعالى يعلمها، والورقة التي تُخلَق؟طالب: يعلمها.الشيخ: يعلمها من باب أَوْلى. شوفوا سعة عِلم الله عز وجل وإحاطته؛ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِيعني إلا يعلمها، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ؛ لنفرضْ أننا في ليلةٍ مظلمةٍ ما فيها قمر، وفيها سحابٌ متراكمٌ، ونحن في قاع البحر، حبَّة في قاع البحر في باطن أرض القاع، كم ظُلمة عليها؟ طالب: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [النور: ٤٠].الشيخ: ظُلمات متعدِّدة، ظُلمة الطبقة الأرضية، ثم البحر، ثم المطر، ثم السحاب المتراكم، ثم ظُلمة الليل، كل هذا داخلٌ في قوله: وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ، ثم جاء العموم المطْلق؛ قال: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ، والأشياء كلُّها إمَّا رطبةٌ وإمَّا يابسة إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، ولا كُتِب إلا بعد أن عُلِم، ما كُتِب إلا بعد العلم، ففي هذه الآية الكريمة إثبات العلم وإثبات الكتابة.وقال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠]، ففي الآية أيضًا إثبات العلم وإثبات الكتابة. هاتان مرتبتان. المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، وهذه أيضًا عامَّة، فما من شيءٍ في السماوات والأرض إلا وهو كائنٌ بإرادة الله ومشيئته، كلُّ شيء؛ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وما من شيءٍ إلا وهو مرادٌ له، لا يكون في مُلكه ما لا يريد أبدًا، فإذَن مشيئة الله تعالى عامة.أمَّا فيما يفعله سبحانه وتعالى بنفسه فالأمر ظاهر، وأمَّا ما يفعله المخلوق من آدميٍّ أو بهيمٍ فهو كذلك كائنٌ بمشيئة الله؛ قال الله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام: ١١٢]، إذَن فهُم فعلوه بماذا؟ بمشيئة الله. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام: ١٣٧]، آية ثانية، إذَن فما فعلوه فبمشيئة الله. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالَّة على أنَّ مشيئة الله عامة، فما من شيءٍ كائنٍ إلا بمشيئة الله، لا يكون في مُلكه ما لا يريد أبدًا؛ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [المائدة: ١٢٠]، وهذا الملك لا يكون فيه شيءٌ لا يريده الله.المرتبة الرابعة: الخلْق، وهو أنَّه ما من شيءٍ في السماوات ولا في الأرض إلا الله خالقُه ومليكُه ومدبِّرُه وذو سلطانه سبحانه وتعالى؛ قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] وهذا العموم لا مخصِّص له، كلُّ شيءٍ فالله خالقُه.طيب، الآدمي مخلوقٌ ولَّا لا؟طلبة: نعم.الشيخ: طيب، فِعْله؟ طالب: كذلك.الشيخ: كذلك مخلوق؛ لأنَّ فِعْل العبد من صفاته، ولهذا جعلنا صفات الله فعلية وذاتية، فِعل العبد من صفاته؛ لأن فِعل العبد ناتجٌ عن أمرين: عن إرادةٍ جازمة، وقدرةٍ تامة؛ فلولا الإرادة من الإنسان ما فعل، ولولا القدرة ما فعل، أليس كذلك؟ لو أنَّ رجلًا لم يُرِد أن يسافر ما سافر، ولو أراد السفر لكن ما عنده مال ما سافر؛ إذَن ففِعْلك ناتجٌ عن أمرين: الإرادة الجازمة، والقدرة التامة. من الذي خلق فيك الإرادة الجازمة والقدرة التامَّة؟ الله عز وجل، لو شاء الله تعالى ما أردتَ، ولو شاء ما قدرتَ، وكم من مرَّةٍ يريد الإنسانُ شيئًا فلا يدري إلا والله صارِفُه عن إرادته بدون أي سبب، وقد يكون بأسبابٍ يقدِّرها الله عز وجل، وقد يكون بموانع تمنعه من إرادة ذلك الشيء؛ قيل لأعرابيٍّ: بم عرفتَ ربَّك؟ فقال: بصرف الهِمَم . وهذا أمرٌ واضح أنَّ الإنسان قد يريد ثم ينثني عزمُه.إذَنْ فِعْل العبد يكون مخلوقًا لله ولَّا غير مخلوق لله؟ يكون مخلوقًا لله، لكن تعلَّق بفعل العبد شيئان: خَلْق، ومباشَرة؛ عمل مباشر؛ فالعمل المباشر لمن؟ للإنسان نفسه، ولكن الخلق للخالق. ففِعلك -بالحقيقة- يتعلَّق به شيئان: أحدهما فيما يتعلَّق بالله عز وجل فهو خالقُه، والثاني فيما يتعلَّق بالمباشَرة بفعلك وهذا يُنسَب إليك، وكما قال الله تعالى في القرآن: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢]، وما أشبه ذلك. عرفت؟ ولولا هذا .. لولا أنك يُنسَب إليك الفعلُ ما كان هناك فائدة للثناء على المؤمن المطيع وإثابته، وعقوبة العاصي الكافر، ولكن الإنسان يفعل بإرادته كما هو ظاهرٌ معلوم.فتبيَّن الآن بأن مراتب القدر أربعة: العِلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وأنَّ أهل السُّنة والجماعة يؤمنون بكلِّ هذه المراتب الأربعة، وأدلَّتُها كما عَلِمتم، وقد جُمِعتْ هذه المراتب الأربع في بيتٍ أنشدناه لكم قديمًا، مَن يحفظه؟ طالب:
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
الشيخ:
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
هذه المراتب الأربع.طيب، إذا كانت هذه المراتب الأربع هي مراتب الإيمان بالقدر، هل هناك مراتب أخرى؟ الجواب: نعم، هناك تقديرات أخرى لكنَّها نسبيَّة؛ فيه تقدير عمري يكون والإنسان في بطن أُمِّه؛ حين يبلغ أربعة أشهر فيُرسِل الله إليه مَلَكًا ينفخ فيه الروح، ويكتب رِزْقه، وأجَلَه، وعَمَله، وشقيٌّ أمْ سعيدٌ. وفيه أيضًا الكتابة الحولية، وهي التي تكون في ليلة القدر، يُكتَب فيها ما يُقَدَّر في السَّنة. قال بعضهم: وفيه كتابة يومية، واستدلَّ لها بقول الله تعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩]، فهو كلَّ يوم يُغني فقيرًا ويُفقِر غنيًّا، ويوجِد معدومًا ويُعدِم موجودًا، ويبسط الرزق ويَقْدره، ويُنشئ السحابَ والمطرَ، وغير ذلك، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍجل وعلا، فِي شَأْنٍشؤون عظيمة كثيرة.فهذه مراتب القدر، أربع.فإن قلت: هل الإيمان بالقدر يُنافي ما عُلِم بالضرورة من أن الإنسان يفعل الشيء باختياره؟ فالجواب: لا؛ لأنَّ هذا الذي يفعله الإنسان باختياره هو من قَدَر الله؛ كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَمَّا أقبلَ على الشام وقالوا له: إنَّ في الشام طاعونًا يفتك بالناس -يموِّتهم- فأوقف المسيرَ وجمع الصحابةَ، شاوَرَهم، ثم شاورَ الأنصارَ ثم المهاجرين، وكان الأكثر أنهم يقولون: نرجع، فعَزَم على الرجوع، فجاءه أبو عُبيدة أمينُ هذه الأُمَّة عامرُ بن الجراح وقال له: يا أمير المؤمنين، كيف ترجع؟ أفِرارًا من قَدَر الله؟ أجابه عمر قال: نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله. إحنا مُضِيُّنا في السفر بقَدَر الله، ورجوعنا بقَدَر الله، ما خرجنا عن قَدَر الله؛ نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله. ثم ضرب له مثلًا؛ قال: أرأيتَ لو كان لك غنمٌ وعندك وادٍ له شُعبتان إحداهما مُخصِبةٌ والثانية مُجدِبةٌ؛ أيهما ترعى؟ ويش قال؟ طلبة: المخصبة.الشيخ: المخصبة طبعًا. قال: إن رعيتُ المخصبة فبقدَرَ الله، وإن ذهبتُ إلى المجدبة فبقَدَر الله . كلُّه بقَدَر الله، فأنت وإن كنتَ تفعل فإنما تفعل بقَدَر الله.فإن قلت: إذا قرَّرتَ ذلك لَزِمك أن تجعل العاصيَ معذورًا بمعصيته؛ لأنه يقول: أنا أعصي بقدر الله. فما الجواب؟الجواب: لا، فإنَّ احتجاج العاصي بالقدر باطلٌ بالشرع والنظر؛ أمَّا بُطلانه بالشرع فقد قال الله عز وجل: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨]، كلام جميل، صحيح، أو لا؟ لو شاء الله ما أشركوا، ولكنَّهم ما قالوا ذلك على سبيل الإيمان بالقدر، لكن على سبيل الاحتجاج بالقدر على معصية الله. فماذا قال الله فيهم؟ قال الله تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا، ولو كانت حُجَّتهم صحيحة ما أذاقهم الله بأسه؛ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨]، هذا دليل واضح على بُطلان احتجاج العاصي بالقدر على معصيته.فيه دليل آخر وهو قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، فهنا أبطلَ اللَّهُ الحجةَ على الناس بإرسال الرُّسُل، ولو كان القدر حجةً ما انتفتْ بإرسال الرسل؛ لأنَّ القدر باقٍ حتى مع إرسال الرسل، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.الشيخ: فهذا أيضًا دليلٌ على بُطلان احتجاج العاصي على معصيته بقدر الله.وأمَّا النظر فإنَّنا نقول: هذا الاحتجاج باطلٌ يا أخا القدَر. كيف باطل؟ نقول: الآن نُشِر في الجريدة الرسمية أن فيه وظيفة مرتبتها عشرة آلاف ريال، وفيه وظيفة مرتبتها خمسة آلاف ريال، وفيه وظيفة مرتبتها ثلاثة آلاف ريال، هل تذهب تُسابق، ولَّا لا؟ طالب: لا شك.الشيخ: إلى وين؟ إلى اللي بعشرة آلاف ريال، إذا ما حصلتْ ينزل إلى الخمسة، إذا ما حصلتْ ينزل إلى الثلاثة، إذا ما حصلتْ قال: أنا اللي مفرِّط، ليش ما تقدمت من أول الناس!عندنا وظائف دينية؛ الصلوات الخمس كفارةٌ لِمَا بينها ، الصلوات الخمس كنهرٍ على باب أحدنا يغتسل فيه كلَّ يوم ، الصلاة مع الجماعة كم؟ أفضلُ من صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة ، وين أنت عن هذا؟ (...) تروح للوظائف هذه؟ ليش تترك ها الوظائف احتجاجًا بالقدر وتروح تلهث للعاصمة من أقصى البلاد علشان عشرة آلاف ريال المرتبة ثم الخمس ثم الثلاث؟ وهذا واضح جدًّا.ومن العجب أن المصلحة لمن؟ للإنسان، سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة؛ يعني: سواءٌ في الأعمال الدنيوية؛ الوظائف اللي قُلنا، أو في أعمال الآخرة، المصلحة لك، فكيف تحتجُّ بالقدر على ما يتعلق بأمور الآخرة ولا تحتجُّ بالقدر على ما يتعلَّق بأمور الدنيا؟ رجل آخر قال: واللهِ أسألُ اللَّهَ يرزقني ولدًا صالحًا طالبَ علمٍ عابدًا غنيًّا كريمًا. قلنا: طيب، وكل فردٍ يسأل اللَّهَ هذا السؤال. نقول له: تزوج حتى يجيئك ولد. قال: اللَّهَ يرزقني ولدًا صالحًا. كلما قيل له قال: اللَّهَ يرزقني ولدًا صالحًا. يجيئه الولد ولَّا ما يجيئه؟ طلبة: ما يجيئه.الشيخ: لكن إذا تزوَّج بمشيئة الله عز وجل فإنَّه قد يُرزَق هذا الولد. هذا اللي يجيء يقول: أسأل الله الجنةَ والنجاةَ من النار، لكن ما يعمل عَمَلها، يمكن ينجو من النار ويدخل الجنة؟ طالب: لا.الشيخ: ما يمكن. إذَنْ فبَطَل الاحتجاج بالقدر على معاصي الله بالأثر والنظر، والأمر -والحمد لله- واضح؛ ولهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعطى كلمةً جامعةً مانعةًَ نافعةً لَمَّا قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العملَ ونتَّكل؟ ويش قال؟ «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» . لو أراد أكبر المؤلفين يكتبون مِثْل هذه العبارة الجامعة المانعة النافعة ما استطاعوا، تلقى هؤلاء الجيِّدين اللي يقال: إنهم فلاسفة أو متفلسفة يكتب على مِثْل هذه الجملة البسيطة يكتب صفحات: فإن قيل فالجواب، فإن قيل فالجواب، فإن قيل فالجواب. والرسول صلى الله عليه وسلم أعطانا كلمة واحدة، أيش قال؟ «اعْمَلُوا» كلمة، «اعْمَلُوا» فعل أمر «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». لو مشينا على هذا هل تَرِد علينا هذه الإيرادات التي يوردها مثل هؤلاء؟ لا واللهِ ما تَرِد. فالحاصل أن الإيمان بالقدر ليس حجةً للعاصي على معصيته.الإيمان بالقدر له فوائد عظيمة: منها: أنَّه تكميلٌ لتوحيد الربوبية، ونحن مطالَبون بأقسام التوحيد وتكميلها.ومنها: أنَّه يوجِب صِدْق الاعتماد على الله عز وجل؛ إذا عَلِمتَ أنَّ كلَّ شيءٍ بقضاء الله وقَدَره صَدَق اعتمادُك على الله.ومنها: أنَّه يوجِب للقلب الطمأنينة، إذا عَلِمتَ أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطِئك وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، أيش تقولون؟ تطمئنُّ، إذا أصابك السوء قلتَ: هذا مكتوبٌ عليَّ، تطمئن. ومنها: أنَّ الإنسان لا يُعجَب بعمله إذا عَمِل عملًا يُشكر عليه؛ لأنَّ الله هو الذي منَّ عليه وقدَّره له، وقد أشار الله إلى هذا بقوله: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ-شوف لِكَيْلَا تَأْسَوْاهذه الطمأنينة اللي احنا قُلنا- لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْويش بعدها؟طالب: وَلَا تَفْرَحُوا.الشيخ: وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٢، ٢٣] يعني: فَرَحَ بطرٍ وإعجابٍ بالنفس. ومنها؛ أي: من الإيمان بالقدر: أنَّ الإنسان يفعل الأسبابَ، وهذا إنما يتأتَّى حيث يؤمن الإنسان بحكمة الله عز وجل، وأنَّه جل وعلا لا يُقَدِّر الأشياء إلا مربوطةً بأسبابها؛ لأنَّ هذا هو تمام الحكمة. وأهمُّ شيءٍ هو طمأنينة القلب، وعدم إعجابه بما صَنع، واعتماده على الله سبحانه وتعالى، وتكميل أيش؟ توحيد الربوبية. كلُّ هذه من فوائد الإيمان بالقدر.ثم اعلمْ أنَّ القدر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: «الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . وإذا كان القدر من الله فكيف نقول: الإيمان بالقدر خيرِه وشرِّه؟ وهل الشرُّ إلى الله؟ هل يُنسَب الشرُّ إلى الله؟ كلَّا، لا يُنسَب إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ، فلا يُنسَب الشرُّ إلى الله لا فعلًا ولا تقديرًا ولا حُكمًا، ما يُنسَب إليه أبدًا، إنما يكون الشرُّ في المفعولات لا في فِعْل الله، والفرق بين الفعل والمفعول ظاهر؛ عندما يشتكي ولدُك ويحتاج إلى كيٍّ فتكويه، فالنار سوف تحرقه وتؤلمه، هذا شرٌّ، فالمفعول الآن شرٌّ، لكن فِعْلي خيرٌ؛ لأني أُريد مصلحتَه، فهناك فرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشرُّ إنما هو في مخلوقات الله.ثم إنَّه مع ذلك ليس شرًّا محضًا، أتظنُّ أن الذي يسوؤك أو يُقَدِّره عليك من الشرور، أتظنُّه شرًّا محضًا؟ لا، بل هو قد يكون شرًّا في محلِّه في زمنه فقط، يعني شرًّا محدودًا في محلِّه وفي زمنه، فقولنا: في محلِّه لأنَّه قد يكون شرًّا لك لكن خير بالنسبة للآخرين، فإذا رأينا رجلًا ظالمًا تمادى في ظُلمه فأخذه الله أخْذ عزيزٍ مقتدر صار ذلك شرًّا بالنسبة له لكنْ خير بالنسبة للآخرين الذين يتَّعظون بما صنع الله به؛ كما قال تعالى في القرية التي اعتدتْ في السبت، قال: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٦].ثم إنَّه شرٌّ في زمنه أيضًا، ما هو شرٌّ مُطْلق، شرٌّ في زمنه لأنَّه قد يَعْقُبه خيرٌ؛ فإنَّ الإنسان إذا استمرَّت النعم عليه قد تحمله أيش؟ على الأَشَر والبَطَر، بل إذا استمرَّ في الحسنات ولم يَحصُل منه سيئةٌ تكسر من حِدَّة نفسه قد يُعرِض عن التوبة ويغفل وينساها، وكم من إنسانٍ أذنبَ ذنبًا ثم تذكَّره فاستغفر له وصار بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لأنه كلَّما ذكر معصيتَه هانتْ عليه نفسُه وتطامنتْ وحَدَّ من عليائها، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.الشيخ: وانظر إلى آدم عليه الصلاة والسلام، هل حصل له الاجتباء والتوبة والهداية قبل أن يأكل من الشجرة؟طالب: لا.الشيخ: لا، لكنْ لَمَّا أَكَل ونَدِم وقَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]، قال الله تعالى: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢٢].انظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفوا بعد المعصية وبعد المصيبة التي أصابتْهم، حتى ضاقتْ عليهم أنفسُهم، وضاقتْ عليهم الأرض بما رَحُبت، وصاروا ينكرون الناس حتى أقاربهم؛ صار قريبه يشوفه كأنَّه رجُل أجنبي من شِدَّة ما في نفسه، حتى تنكَّرت نفسُه عليه، بعد هذا الضيق العظيم ويش صار لهم؟ صار لهم بعد التوبة فرح ما له نظير أبدًا، وصارت حالهم أيضًا بعد التوبة؛ بعد أن تاب الله عليهم، أكملَ من قبل، وصارت ذِكراهم بعد التوبة أكبرَ من قبل. لو خرجوا مع الناس إلى تبوك ومشوا، ذُكِروا بأعيانهم وقيل: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨]؟ مَن يُقَدِّر القيمة في هذه الآيات العظيمة التي تُتلى في محاريب المسلمين ومنابرهم إلى يوم القيامة! هذا شيء عظيم.أقول: إنَّ الإيمان بالقدر يوجِب للإنسان مثل هذه الأمور العظيمة، وإنَّ الشرَّ الذي في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، شرٌّ محدودٌ في محلِّه وزمنه، على أنَّه ليس شرًّا في فِعل الله ولكن شرٌّ في مفعولاته سبحانه وتعالى.طالب: وقوله: «وَالْقَدَر خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».الشيخ: نعم، إذَن عرفنا القدر الآن أو أخذْنا عنه فكرةً جيدةً إن شاء الله تعالى نسأل الله أن ينفع بها. فبهذا نعرف أنَّ إنكارَ القدر ضلالٌ مبين، وأنَّ الغُلُوَّ في إثباته أيضًا ضلالٌ مبين، وأنَّ خير الأمور الوسط، وهو الذي عليه أهل السُّنة والجماعة. وبهذه المناسبة نودُّ أن نقول: إنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيرًا- ذَكَر أنَّ أهل السُّنة والجماعة وسطٌ بين فِرَق المبتدعة في خمسة أصول (...).

***

الشيخ: (...)؟طالب: إي نعم، وقوله: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧]، وإذا كان الله (...).الشيخ: العقلية للجبرية؟ طالب: (...).الشيخ: أدلَّة عقلية.طالب: قالوا: لو قُلنا بأنَّ العبد يفعل باختياره فلَزِم من هذا إثباتُ خالقَينِ، والخالق واحدٌ سبحانه وتعالى، فالعبد يخلق فعله والله يخلق (...).الشيخ: إي، يعني لو قُلنا: إنَّ الإنسان مختارٌ لَزِم أن يكون في مُلك الله عز وجل ما لا يريده بأن يكون مستقلًّا، وهذا إذا كان يجاوب ممن؟ القدرية، هذا صحيح كلامهم في الردِّ على القدرية.فإذَن بماذا نردُّ عليهم؟ بالأدلة النقلية والعقلية.طالب: نقول: لو كان كلامكم صحيحًا لَكان إرسال الرسل عبثًا، وهذا مستحيلٌ أن يُرسِل الله سبحانه وتعالى الرسلَ عبثًا.الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: لأنَّ إذا قلتم: إنَّ الإنسان مجبورٌ على عمله، فمعنى ذلك أن طاعة الرسل ما فيها (...).الشيخ: يعني أنَّ إرسال الرسل لا تقوم به الحجة؛ لأنَّ القدر لا يزال موجودًا حتى بعد إرسال الرسل، وقد نفى الله عز وجل الحجةَ بعد إرسال الرسل فقال: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، ولو كان الإنسان مجبَرًا لَقال: يا ربِّ وماذا تفيدنا الرسل؟ نعم، هذا دليل. طالب: (...) أنه لو قلنا بالإجبار.. الشيخ: لا، لا تَقُل: لو قُلنا. نريد أدلَّة، ما هو تعليل.الطالب: دليل العقل يعني.الشيخ: لا، لأنه ما بعد وصلنا للعقل.طالب: شيخ، قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢]، فأثبت للمخلوق إرادة.الشيخ: لا، هذا في الردِّ عليهم.الطالب: إي، في الردِّ عليهم.الشيخ: لا، نريد إثبات حُجَّتهم. ما هو هذا اللي نحن نريد؟ طلبة: (...) الرد عليهم.الشيخ: إي، أحسنتم، إذن هات اللي عندك.طالب: قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، فأثبتَ للعبد إرادة.الشيخ: صح، وكذلك قوله: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩].طيب، بماذا نردُّ عليهم بالأدلة العقلية؟ طالب: نقول: إنَّ هناك فرقًا يعني (...) بالضرورة بين الفعل الاختياري واللااختياري، وأنَّه لو قلنا: إنَّ هذا وهذا سواءٌ لَمَا كان هناك فرقٌ بين المطيع والعاصي، ولَكان من العبث أن يُجازَى هذا وأن يُعاقَب هذا، ولَكان هذا طعنًا في حكمة الله عز وجل.الشيخ: نعم، كذا؟ طلبة: نعم.الشيخ: سمعتم الآن؟ يقول: لو قُلنا بكلامهم هذا وأنَّ الإنسان مجبَرٌ على العمل، لم يكن هناك فرقٌ بين المطيع والعاصي، ولم يستحقَّ المطيعُ الثوابَ ولا العاصي العقابَ، مع أنهم كلٌّ منهم يستحقُّ جزاءَ عمله. وهناك فرقٌ يُعلَم بالضرورة بين الأشياء التي يفعلها الإنسان باختياره والأشياء التي يفعلها مجبَرًا عليها؛ فواحد مثلًا يقود السيارة وجاء على الجدار وصدمها باختياره، وواحد غصْبًا عليه انفلتتْ منه السيارة وعجز عن قيادتها، بينهما فرقٌ ولَّا لا؟ طلبة: نعم.الشيخ: وبين واحد ينزل من الدَّرَج باختياره درجةً درجةً، وواحد دَفَعه شخص من أعلى حتى أيش؟ طالب: تكسَّر.الشيخ: لا، ما تكسَّر، لو تكسَّر ما مشى.طالب: حتى نزل.الشيخ: لا، حتى تدحرج، فبينهما فرقٌ، ولَّا لا؟ كلنا يعلم ذلك، وكلنا يعرف أيضًا أنَّ الإنسان يذهب ويجيء ويقوم ويقعد ويصلي ويصوم ويزكِّي ويَدَع هذه الأشياء باختياره، ما يرى أنَّ أحدًا أجبره.طالب: (...) دليل عقلي بأنهم هم لا يعفون عمَّن أساء إليهم؛ لو صَفَعه صافعٌ لطلب حقَّه ولم يقُل ولا احتجَّ بالقدر (...).الشيخ: إي نعم، كذلك هم أيضًا ما يقولون بهذا؛ لو أنَّ واحدًا منهم صَفَعه صافعٌ من الناس وقال: ليش تعتدي عليَّ؟ قال: واللهِ هذا بالقضاء والقدر. يرضى؟ طلبة: لا ما يرضى.الشيخ: ما يرضى، لكن لو هو (...) هذا المظلوم (...) يقول: هذا بالقضاء والقدر. ولهذا يقال: إنَّ أمير المؤمنين عمر رُفِع إليه سارقٌ وثبتتْ عليه السرقة، فأمر بقطع يده، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، واللهِ ما سرقتُ إلا بقدر الله. فقال له أمير المؤمنين: نحن لا نقطع يدك إلا بقدر الله أيضًا . صح ولَّا لا؟طلبة: نعم.الشيخ: وأمير المؤمنين رضي الله عنه أجابه بمثل دليله، وإلا هناك أيضًا دليل آخر أقوى من دليل ذاك؛ لأننا نحن نقطعه بقدر الله وشَرْع الله، وهو يسرق بقدر الله لا بشرع الله.طيب، المهم الإيمان بالقدر له ثمراتٌ بيَّن الله تعالى في القرآن بعضَها، فمِن ثمراته؟طالب: أنَّه تكميلٌ لتوحيد الربوبية.الشيخ: نعم، أنَّه تكميلٌ لتوحيد الربوبية؛ هذا واحد. ثانيًا؟ الطالب: الاطمئنان وعدم التحسُّر.الشيخ: الاطمئنان وعدم التحسُّر. ما هو دليل ذلك من القرآن؟ طالب: الدليل في سورة الحديد.الشيخ: ما هو؟الطالب: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ.الشيخ: اقرأ الآية قبل، علشان نعرف القضاء والقدر.الطالب: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢، ٢٣].الشيخ: صح، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢، ٢٣].طالب: من فوائده أن الإنسان لو ظُلم يطمئن له نفسه بأنَّ الله تعالى سيجازي خصمَه بما يستحقُّه، فيأخذ حقَّه من خصمِه في هذا. الشيخ: واضح هذا؟طالب: لا يا شيخ.الشيخ: ما هو بواضح، هذا الإيمان باليوم الآخر.طالب: (...).طالب آخر: فيه دليل عقلي أنهم يطلبون (...).الشيخ: إي، قصدك هذا في الرد عليهم؟ الطالب: إي نعم.الشيخ: إي نعم.الطالب: يطلبون (...).الشيخ: نعم، صحيح، هذا مما يُردُّ به عليهم، لكن أنا أريد عاد تجيب لي فوائد الإيمان بالقدر، أعطني فائدة. طالب: أن الله يقدر الشيء لحكمة.الشيخ: كيف هذا؟! أن الله يقدر الأشياء لحكمة. هذا من فوائد الإيمان بالقدر؟! ويش لون هذا؟! اشرح هذه.الطالب: يعني (...).الشيخ: هذه لا بأس، أنَّ الإيمان بالقدر يقوِّي الاعتمادَ على الله سبحانه وتعالى، وأنَّ الإيمان بالقدر يعرف به الإنسانُ قدْرَ نفسه؛ كما قال الله تعالى: وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٣].طالب: عدم إعجاب الإنسان بنفسه.الشيخ: إي نعم، هذه، عدم الإعجاب بنفسه.طالب: أن يفعل الإنسان الأسباب.الشيخ: أن يقوم بفعل الأسباب؟الطالب: أن يفعل الأسباب.الشيخ: إي نعم، أيش تقولون في هذا؟ يقول: من فوائد الإيمان بالقدر أنَّ الإنسان يفعل الأسباب. طالب: (...).الشيخ: هذه له ولَّا عليه؟طالب: لا، عليه.طالب آخر: لا، له.الشيخ: كيف؟ الطالب: لأنَّ من تقدير الله فِعْل الأسباب.الشيخ: إي نعم، من تقدير الله فِعْل الأسباب، والدليل على ذلك قولُ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لأبي عبيدة حينما قرَّر رضي الله عنه الرجوعَ عن السفر إلى الشام لَمَّا وقع الطاعون، قال: يا أمير المؤمنين أفِرارًا من قَدَر الله؟ فقال له عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نحن نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله .طالب: التسليم والانقياد لله.الشيخ: إي، هذا صِدْق الاعتماد على الله، بس الاختلاف في اللفظ، نعم، ما نقتصر على هذا؟ طالب: التسليم لقضاء الله وقدره.الشيخ: أيضًا نفس الشيء، نكتفي بهذا، وأظنُّ أنَّا ذكرنا في الكتاب المختصر هذا عقيدة أهل السنة والجماعة ذكرنا فوائده، نعم، لو نرجع إليه بعد يمكن فاتنا شيء منها.طالب: (...).الشيخ: (...) القدر؟ الطالب: إي نعم.الشيخ: ما رأيكم؟طالب: (...).الشيخ: (...) الأربع وليس له إلا رِجلان.طالب: هناك فائدة أثرية.الشيخ: كيف أثرية؟ الطالب: ليذوق طعم الإيمان.الشيخ: إي، آثاره يعني، والظاهر قريبة هذه من الاعتماد على الله.طالب: يا شيخ سؤال؛ كيف نجمع بين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق عليه: مَن أراد أن يُنسأ له في عمره ويُنسأ له في رزقه فليصِلْ رحمه.الشيخ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ».الطالب: «فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ، وبين حديث أم حبيبة (...)؟الشيخ: طيب، الأصل لا معارضة بينهما؛ لأنَّ كون الإنسان..الطالب: (...).الشيخ: هو الآجال مضروبة، والأرزاق مضروبة، والجنة لأصحابها مضروبة، والنار لأصحابها مضروبة، كلُّ شيء (...)، حتى الجنة لها أسباب، فلا إشكال. ولكن قول الرسول: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» هذا يدلُّ على أنَّ صِلَة الرحم من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وقد اضطربتْ آراء العلماء في ذلك وإجابتُهم عن هذا الحديث؛ فبعضهم قال: المراد بالنَّساء يعني البركة، فيكون الوقت القليل في حقِّه كأنه وقتٌ كثير، والصواب أنه على ظاهره وأنَّ المراد بذلك هو حثُّ الإنسان على هذا الفعل؛ لأنك ما تعلم، ومَن أراد الله تعالى له أن يَصِل رحمه فقد أراد الله له أن ينسأ في أثره، كما أن من أراد الله أن يدخل الجنة فإنَّه قد أراد له أن يعمل عملَ أهلِ الجنة، ولا فرق. وأمَّا الحديث اللي ذكرتَ -حديث أم حبيبة- فإنه يقال: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يوجِّهها إلى أن تدعو لهم بما هو أهمُّ من طول البقاء؛ لأنَّ طول البقاء قد يكون شرًّا للإنسان.طالب: شيخ، ما هو الدليل على ترتيب المقدرات بالإيمان (...) يا شيخ؟الشيخ: واضح؛ لأنَّ العلم سابق على الكتابة، والكتابة سابقة على الإرادة، والإرادة سابقة على الخلْق.طالب: إثبات عِلم الله عز وجل وعظمته (...)؟الشيخ: إلا، كيف؟ هذا دليل على هذا، على.. الطالب: أقول: من فوائد الإيمان العلمُ بعلم الله عز وجل وعظمته سبحانه.الشيخ: نعم، كلُّ المراتب الأربعة هذه كلُّها من فوائده.قال رحمه الله تعالى: (وقال ابن عمر: والذي نَفْسُ ابن عمر بيده).قوله: (نَفْس) المراد به الروح. وهل المراد: الذي نفسه بيده؛ أي: قَبْضُها، أو أنَّ المراد ما هو أعمُّ من التدبير والتصريف وغير ذلك؟ المراد ما هو أعمُّ.(والذي نَفْس ابن عمر بيده) وإنما أقسمَ رضي الله عنه لأهمية الأمر، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ القسم يُراد به تأكيدُ المقسَم عليه، وأنَّه لا يختصُّ بحال الإنكار أو التردُّد، وقد عَلِمتم في البلاغة أنَّه إذا كان الإنسانُ متردِّدًا يؤكَّد له الخبر استحسانًا، وإذا كان منكِرًا يؤكَّد له أيش؟ وجوبًا، ولكن هذا لا يمنع أن يؤتى بالتوكيد بدون إنكارٍ إذا كان الأمر ذا أهميةٍ شديدة فإنَّه قد يؤكَّد بالقَسَم لأهميته، ابنُ عمر رضي الله عنه أقسمَ لأنَّ المقام مقامٌ عظيم. (لو كان لأحدهم مِثْل أُحُدٍ ذهبًا). (ذهبًا) هذه تمييز؛ لأنها ميَّزت المبهَم في قوله: (مِثْل أُحُدٍ)، فإنَّ (مِثْل أُحُد) ترابًا؟ أسألكم. طلبة: لا.الشيخ: فضةً؟الطلبة: لا.الشيخ: حديدًا؟الطلبة: لا.الشيخ: نحاسًا؟الطلبة: لا.الشيخ: (ذهبًا). فلمَّا مَيَّزت المبهَم وعيَّنته قُلنا: إنها تمييز.(ثم أَنْفَقَه في سبيل الله) أي: في شريعته؛ لأن سبيل الله تعالى هو شريعته كما قال الله تبارك وتعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] أي: عن شريعته.ويمكن أن يقال: (في سبيل الله) هنا السبيل الخاص، وهو الجهاد في سبيل الله؛ لأنَّ النفقة في الجهاد من أفضل النفقات.(ما قَبِلَه الله منه حتى يؤمنَ بالقدَر). لماذا؟ لأنَّه إذا لم يؤمن بالقدر كان كافرًا، والكافر لا يَقْبل الله منه شيئًا؛ كما قال تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤].فعلى هذا لو أنفق الكافرُ مثل أُحُدٍ ذهبًا ما قُبِل منه كما في الآية التي سُقْتُها، وكذلك قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣].يقول: (حتى تؤمن بالقدر. ثم استدلَّ) مَن؟ ابن عمر (بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ..» ).

..بالله؛ هذه القاعدة، سواء في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة، ولكن مع ذلك لا نقول: إنَّ كلَّ مكروهٍ يكرهه الإنسانُ فهو من ظنِّ السَّوء بالله يظنُّه الإنسان، قد يكون هذا المكروه أنا أكرهه، ولكن الله عز وجل يفعله لحكمةٍ عظيمة.
قال: (وإنما كان هذا ظنَّ السَّوء لأنه ظنُّ غير ما يليق به سبحانه، وغير ما يليق بحكمته وحمده ووَعْده الصادق).
ويش وَعْده الصادق؟ أنَّ الله ينصر رسوله، وأن يُظهره على الدين كلِّه؛ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣]، فإذا ظننتَ أنَّ أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم سيضمحلُّ وأنَّه سيُخذَل إلى يوم القيامة فهذا ظنُّ ما لا يليق بالله سبحانه وتعالى.
يقول رحمه الله: (فمَن ظنَّ أنَّه يُديل الباطلَ على الحقِّ إدالةً مستقرَّةً يضمحلُّ معها الحقُّ، أو أنكرَ أن يكون ما جرى بقضائه وقَدَره، أو أنكرَ أن يكون قَدَّره لحكمةٍ بالغةٍ يستحقُّ عليها الحمدَ، بل زعم..) إلى آخره. شوف، ثلاثة مسائل جمعها رحمه الله كلها.
(مَنْ ظَنَّ أنَّه يُديل الباطلَ على الحقِّ إدالةً مستقرَّةً يضمحلُّ معها الحقُّ) هذا ظنُّ مَن؟ ظنُّ الذين قالوا: إنَّ الله لن ينصر رسولَه؛ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا [الفتح: ١٢]، فالذين ظنُّوا أنَّ الله لا ينصر رسولَه وأن أمْره سيضمحلُّ هم الذين أشار إليهم في هذا.
(أو أنكرَ أن يكون ما جرى بقضائه وقَدَره) نعم، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوء؛ ووجه ذلك أنَّه ظنَّ أن يكون في مُلكه ما لا يريد، ومن ظنَّ أن يكون في مُلك الله ما لا يريد فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوء؛ لأنَّ كلَّ ما يكون في مُلكه فإنَّه بإرادته.
(أو أنكرَ أن يكون قدَّره لحكمةٍ بالغةٍ يستحقُّ عليها الحمدَ) صح، إذا أنكر أن يكون ما قدَّره الله عز وجل مما يُحمَد عليه، بل مِمَّا يكرهه الإنسانُ أو يحبُّه، مَن أنكر أن يكون ذلك لحكمةٍ بالغةٍ فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوء؛ لأننا نعلم عِلْم اليقين أن الله لا يقدِّر شيئًا ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة.
لكن هل هذه الحكمة معلومةٌ لنا؟
لا، قد تكون معلومةً وقد تكون غير معلومة؛ وذلك لأنَّ عقولنا قاصرةٌ عن إدراك حكمة الله عز وجل، فكم في الأمور المشروعة من حِكَمٍ كثيرةٍ تَفُوتنا، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافًا كبيرًا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى.
يقول: (بل زَعَم أنَّ ذلك لمشيئةٍ مجرَّدةٍ). وهذا رأيُ مَن؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، من طوائف المعتزلة، أو الجهمية، أو مَن؟
طالب: الجهمية.
الشيخ: الجهمية، إي نعم، الجهمية الجبرية، يقولون: إنَّ الله عز وجل يُقَدِّر الأشياء لغير حكمة، بل مجرَّد مشيئة، عكس المعتزلة؛ يقولون: إنَّه لا يُقَدِّره إلا لحكمة، ويفرضون على الله تعالى ما يشاؤون.
وقد ذكر صاحب مختصر التحرير الفتوحي رحمه الله، ذكر أنَّ في المسألة قولين في المذهب فقال: وفِعلُه وإرادتُه لا لحكمةٍ في قولٍ. يعني: هو يفعل الشيءَ ويريده لغير حكمةٍ، بل لمجرَّد مشيئة، فالذي يظنُّ بالله عز وجل أنَّه لا يُقَدِّر الأشياء لحكمةٍ وإنما يُقَدِّرها لمجرَّد مشيئة؛ شاء ففعل، هذا أيش؟ قالوا: هذا مشيئة الله؛ لأنَّ الله لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، فهو سبحانه وتعالى يُقَدِّر الأشياء ويشرع الأشياء لا لحكمةٍ بالغةٍ، ولا شك أنَّ هذا يُعتبر من أكبر الطعن في الله؛ لأنَّ الإنسان الذي يتصرَّف.. الإنسان البشَر المخلوق إذا تصرَّف تصرُّفًا لغير حكمةٍ ماذا يُسَمَّى؟ يُسَمَّى سفيهًا ولا رُشد عنده، فإذا كان كذلك فما بالُك بالخالق العظيم جل وعلا الذي لا يُقَدِّر الشيءَ إلا لحكمة، لكنَّنا قد لا نُدرك هذه الحكمة.
قال: (فذلك ظنُّ الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النار). نعم؛ كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: ٢٧]، ويش يُشير إليه؟ يعني القول بأنها خُلِقتْ باطلًا لا لحكمةٍ بالغةٍ عظيمةٍ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وقال تعالى في آيةٍ أخرى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: ٣٨، ٣٩] الذي هو ضدُّ الباطل، وهؤلاء يقولون: إنَّ الله عز وجل خَلَق هذه السماوات والأرضَ باطلًا لغير حكمة.
قال الله عز وجل: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواهم الذين يظنُّون أنَّ الله خَلَق السماوات والأرض باطلًا وعَبَثًا ولهوًا ولعبًا وما أشبهَ ذلك.
ثم قال: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. وَيْلٌإعرابها مبتدأ، وساغ الابتداء بها وهي نكرةٌ لأنها للتعظيم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، الله ما يدعو، يُخبِر.
الطالب: (...) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات: ١٣٠].
الشيخ: حتى هذه فيها نظر. المهم هذا خبرٌ من الله، أمَّا لو كان أنا أبغي أقول: (ويلٌ لك) لواحد بيعمل سيِّئًا.. أمَّا إذا كان من الله فهو خبر، كيف يدعو؟! الله يدعو مَن؟!
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِأين خبر المبتدأ؟
طالب: مِنَ النَّارِ.
الشيخ: لا.
طالب: الجار والمجرور.
الشيخ: الجار والمجرور لِلَّذِينَ كَفَرُوا، ومِنَ النَّارِبيانٌ لـوَيْلٌ؛ يعني: ويلٌ لهم من النار. وفي هذا دليلٌ على أنَّ (ويل) كلمة وعيدٍ وليست -كما قيل- واديًا في جهنم، وإنما هي كلمةٌ يُقصَد بها الوعيد؛ تقول: ويلٌ لك من النار، وويلٌ لك من فلان، وويلٌ لك من البرد، وويلٌ لك من الجوع، وما أشبهَ ذلك، فهي إذَن كلمةُ وعيدٍ، ولهذا يقول مَن يتوجَّع: يا ويلي، ويلاه. هو يتوعَّد نفسَه بالنار؟ لا.
فالمهمُّ أنَّ هذه الكلمة ليست واديًا في جهنم كما قيل، وإن كان قد يكون هناك وادٍ في جهنم اسمه (ويل)، لكن في مثل هذه الآية فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِهي كلمة وعيد.
(وأكثر الناس يظنُّون بالله ظنَّ السَّوء فيما يختصُّ بهم وفيما يفعله بغيرهم).
قوله: (أكثر الناس) لا يريد أكثر الناس من المؤمنين، أكثر الناس من بني آدم؛ لأن أكثر الناس من المؤمنين ما يظنُّ هذا الظن، لكن أكثر الناس من بني آدم (يظنُّون بالله ظنَّ السَّوء) يعني: ظنَّ العيب (فيما يختصُّ بهم وفيما يفعله بغيرهم).
(فيما يختصُّ بهم) مثلًا إذا ابتلاهم الله عز وجل بشيءٍ ظنُّوا بالله ظنَّ السَّوء، إذا تعبَّدوا لله عز وجل بمقتضى شريعته ظنُّوا أنَّ الله لا يقبل منهم، وهذا ظنُّ سَوء، إذا دعوا الله عز وجل بالدعاء على الوجه المشروع يظنُّون أنَّ الله لا يجيب دعاءهم، هذا ظنُّ سَوء.
كذلك (فيما يفعله بغيرهم)؛ مِثْل أن يَرَوا أحدًا مبتلًى ابتلاه الله عز وجل بشيءٍ من المرض البدني أو فَقْد المال أو فَقْد الأهل فيظنُّون بالله ظنَّ السَّوء فيما فعله بهذا الرجل، أو مثلًا رأوا أنَّ الكفار انتصروا على المسلمين في معركةٍ من المعارك فظنُّوا أنَّ الله يُديل هؤلاء الكافرين دائمًا على المسلمين، فهذا ظنُّ السَّوء، ولهذا يجب على الإنسان أن يظنَّ بالله عز وجل ظنَّ الحقِّ دائمًا، وأن يُحسن الظنَّ بالله مع وجود الأسباب التي تقتضي إحسانَ الظن بالله.
طالب: إذا وُجِد إنسانٌ مبتلًى والناس يقولون: مسكين، ما يستأهل. هل هذا إساءة ظنٍّ بالله عز وجل؟
الشيخ: هذا من الاعتراض على قدر الله.
طالب: تمكين الناس أنهم يقتلون بعضَ الرسل، كيف يعني قتلوا بعضهم؟
الشيخ: إي نعم، هذه لحكمةٍ من الله يقتلون بعضَ الأنبياء.
الطالب: أيش الحكمة؟
الشيخ: الحكمة من ذلك لأجْل تمادي هؤلاء في طغيانهم، ولأجْل أن ينال أولئك الذين قُتلوا منزلةَ الشهداء والصابرين على البلاء.
يقول المؤلف: (أكثرُ الناسِ يظنُّون بالله ظنَّ السوءِ فيما يختصُّ بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك) أي: من ظنِّ السَّوء (إلَّا مَن عرف اللَّهَ وأسماءه وصفاته وموجَب حكمته وحمده).
صدق رحمه الله، ما يسلم من ظنِّ السَّوء إلا مَن عرف الله عز وجل وما له من الحِكَم والأسرار فيما يقدِّره وفيما يشرعه سبحانه وتعالى، فإذا عرف الإنسان ربَّه وعرف أسماءه وصفاته معرفةً حقَّةً، ليس معرفة تحريفٍ وتأويلٍ. ولهذا أولئك المحرِّفون والمؤوِّلون حُجِبوا واللهِ عن معرفة أسماء الله وصفاته، فتجدهم غالبًا قلوبهم مظلمة، تحاول دائمًا أن تُورِد الإشكالات والتشكيك والجدل، أمَّا مَن أبقى أسماءَ الله وصفاته على ما دلَّت عليه وسلك في ذلك مذهبَ السلف فإنَّك تجد قلبَه لا يَرِد عليه هذه الاعتراضاتُ التي تَرِد على أولئك المحرِّفين؛ لأنَّ المحرِّفين إنما أُتُوا من جهة ظنِّهم بالله ظنَّ السَّوء، حيثُ ظنُّوا أنَّ الكتاب والسُّنَّة دلَّ ظاهرهما على التمثيل والتشبيه، فأخذوا يحرِّفون الكَلِم عن مواضعه ويُنكرون ما أثبتَ الله لنفسه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنَّ كلَّ معطِّلٍ مُمَثِّل، وكلَّ مُمَثِّلٍ معطِّل. أمَّا كَوْن كلِّ معطِّلٍ ممثِّلًا فإنَّ وجهه أنَّ هذا الذي عطَّل إنما عطَّل لكونه ظنَّ أن دلالة الكتاب والسُّنة تقتضي التمثيل، فلمَّا ظنَّ هذا الظنَّ السيئ بنصوص الكتاب والسُّنة أخذ يُحَرِّفها ويصرفها عن ظاهرها، فمَثَّلَ أولًا وعطَّل ثانيًا.
وعلى هذا فالذي يعرف أسماءَ الله وصفاته معرفةً على ما جرى عليه سلفُ هذه الأُمَّة وأئمَّتُها، وعرف (موجَب حكمته)، (موجَب) بمعنى مقتضى. وفرقٌ بين الموجَب والموجِب؛ الموجِب بالكسر: السبب الذي يقتضي الشيءَ؛ بمعنى المقتضِي، والموجَب هو المسبَّب الناتج عن السبب؛ بمعنى المقتضَى. اللي يعرف موجَب حكمة الله وما تقتضيه الحكمةُ فإنَّه لا يمكن أن يظنَّ بالله ظنَّ السَّوء أبدًا؛ شوف الحِكَم العظيمة التي حصلت للمسلمين في هزيمتهم في حُنين وفي هزيمتهم في أُحُد، ما يمكن أن نظنَّ بالله عز وجل في هذا ظنَّ السَّوء وأنَّ الله أراد أن يقتل رسولَه وحزبَه، ولكن نعلم أن ذلك لحِكَمٍ عظيمةٍ ذكرها الله في سورة آل عمران، هذه الحِكَم إذا عرفها الإنسان لا يمكن أن يظنَّ بالله ظنَّ السَّوء، وكذلك كلُّ ما يُجريه الله في الكون؛ إذا مَنَع الله القطرَ ومَنَع النباتَ هل نظنُّ بالله ظنَّ السَّوء؟ لا، نعلم أنَّ هذا لحِكمة، نعلم أنَّه لحِكمةٍ ولا نظنُّ بالله أنَّه بَخِل على عباده؛ فإنَّ الله عز وجل أكرمُ الأكرمين، وعلى هذا فقِس.
(...) رحمه الله يقول: (فليَعْتنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا). (اللبيب) اسمٌ على وزن (فَعِيل)، ومعناه ذو اللُّبِّ، واللُّبُّ هو العقل، فـ(اللبيب) معناه العاقل، لكنَّها جاءت بصيغة الصفة المشبَّهة (فَعِيل)، الناصحُ لنفسه يعتني بهذا، المشار إليه أيش؟
طالب: حسن الظن.
الشيخ: هو الظنُّ بالله عز وجل، لِيَعْتنِ بهذا حتى يظنَّ بالله ظنَّ الحقِّ لا ظنَّ السَّوء وظنَّ الجاهلية.
(وليَتُبْ إلى الله وليستغفرْه من ظنِّه بربِّه ظنَّ السَّوء).
(يَتُبْ) أي: يرجع إلى الله؛ لأن التوبة معناها الرجوع من معصية الله إلى طاعته، (وليستغفرْه) يطلب منه المغفرة، واللام فيهما لام الأمر.
(وليَتُبْ إلى الله وليستغفرْه من ظنِّه بربِّه ظنَّ السَّوء)، هل يَرِدُ على قلوبكم مِثْل هذا؟ هل تظنُّون بالله أحيانًا ظنَّ السَّوء؟
طالب: حاشا.
طالب آخر: (...).
الشيخ: ربما يَرِد على القلب، لكنَّه لا يبعد بعيدًا، فعلى هذا يجب أن يُمَحِّص الإنسان قلبَه من ذلك، وأن يعلم أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يقدِّر شيئًا ولا يشرع شيئًا إلا لحِكَمٍ عظيمةٍ، ونحن لا نُدرك كلَّ الحِكَم التي يُجري الله تعالى أحكامَه الكونيةَ وأحكامَه الشرعيةَ عليها لأنَّنا قاصرون؛ قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
يقول رحمه الله: (ولو فتَّشْتَ من فتَّشْتَ لرأيتَ عنده تعنُّتًا على القَدَر وملامةً له) يعني: لو فتَّشْتَ في الناس وجدتَ عنده تعنُّتًا على القَدَر وملامةً له. قَدَر مَن؟
طالب: قَدَر الله.
الشيخ: قَدَر الله.
(وأنَّه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا) إذا قدَّر اللَّهُ الشيءَ تجده مثلًا يسخط على القَدَر ويلوم القَدَر ويقول: كان ينبغي أن ننتصر، كان ينبغي أن يأتي المطر، كان ينبغي أن يوسَّع لنا في الرزق، كان ينبغي ألَّا تصيبنا الجوئح، وما أشبه ذلك. وهذا نوعٌ من ظنِّ السَّوء بالله عز وجل؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى ما قدَّر هذا الشيءَ إلا لحكمةٍ تعجز أنت عن إدراكها.
يقول: (فمستقِلٌّ ومستكثِرٌ). (مستقل) ويش إعرابها؟
طالب: خبر لمبتدأ محذوف.
الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف؟ ويش التقدير؟
الطالب: فهو مستقلٌّ.
الشيخ: إي، أو: فمن الناسِ مستقلٌّ ومن الناس مستكثر. طيب، نَقِف عند هذا قليل شوي في الإعراب (فمنهم مستقلٌّ ومنهم مستكثرٌ).
كيف تعرب (مستكثر)؟ الواو حرف عطف، (مستكثر)؟
طالب: معطوف.
الشيخ: لا.
طالب: خبر لمبتدأ محذوف.
الشيخ: ما يصح. مبتدأ خبره محذوف؛ يعني: ومنهم مستكثر.
نظير ذلك قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥]، أعرب وَسَعِيدٌ؟
طالب: مبتدأ.
الشيخ: لو تقول: الواو حرف عطف و(سعيد) معطوف على (شقي)، ما يصلح؛ لأنك إذا قلت: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌمعناه الوصفان لموصوفٍ واحد، لكن التقدير: فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيد، إي نعم، هذه مثلها.
الناس في ظنِّهم بالله عز وجل منهم مَن يظنُّ بالله ظنَّ السَّوء على وجهٍ كثير، ومنهم من يظنُّ به ظنَّ السَّوء على وجهٍ قليل.
(وفتِّش نفسَك؛ هل أنت سالم؟). وهذا ينبغي أن يكون ليس في هذه المسألة فقط، بل في جميع المسائل، كلُّ ما أوجب الله عليك فتِّش نفسَك؛ هل أنت سالمٌ من التقصير فيه؟ كلُّ ما حرَّم الله عليك فتِّش نفسَك؛ هل أنت سالمٌ من الوقوع فيه؟ أظنُّنا واللهِ مقصِّرين في هذا الأمر؛ هل نحن نحاسبُ أنفسَنا على الواجبات هل قمنا بها؟
طالب: غافلون.
طالب آخر: لا يا شيخ.
الشيخ: اصدقوني القول.
طالب: لا.
الشيخ: لا، إلا مَن يشاء الله.
هل نحن نحاسب أنفسَنا في المحرَّمات هل اجتنبناها؟ الجواب .. اصدقوني القولَ، أنا أُعلمكم عن نفسي، أنا غافلٌ في هذا، والناس كلهم أكثرهم على هذا النحو، ما نحاسِب. لكن نأتي لنعامل إنسانًا بالمال نعطيه دراهم بضاعة يبيع ويشتري فيها، نحاسبه؟
طلبة: نعم.
طالب آخر: بالهللة.
الشيخ: ولّا اللي يعطينا نأخذه واللي ما يعطينا نقول: خلُّوه يمشي؟
طالب: نحاسبه.
طالب آخر: بالهللة يا شيخ.
الشيخ: نحاسبه على البارة والهللة كما يقولون. كذلك أيضًا يُقَدَّم لنا الطعام؛ الغداء، بالأمس كان الذي قُدِّم الغداء فيه ثلاثة أصناف، واليومَ فيه صنفان فقط، ويش نقول لأهل البيت؟ نقول: ليش ما جبتم اللي أمس، و(...) ما جبتم هذا الصنف الثالث، نحاسب.
لكن في مسائل الأمور الهامَّة؛ وهي الأعمال، تجدنا غافلين -نسأل الله أن يعاملنا بالعفو- ولهذا يقول المؤلف: (فتِّش نفسَك؛ هل أنت سالم؟).
يقول:

(فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ نَاجِيًا)

(تنجُ منها) من أيش؟ أي: من هذه الخصلة وهي ظنُّ السوء بالله (تنجُ من ذي عظيمةٍ)، (تنجُ) الثانية والأولى ليس فيهما واو، لماذا؟ حُذِفتْ للجزم؛ الأول فِعْل الشرط، والثاني جواب.
وقوله: (من ذي عظيمةٍ) أي: من أمرٍ ذي عظيمةٍ؛ أي ذي بليَّةٍ عظيمةٍ أو نحوها.
(وإلَّا) تَنْجُ (فإني لا إخالك ناجيًا). (إخالك) بمعنى أظنُّك، وهو -فيما يحضرني الآن- هو الفعل الوحيد الذي تُكسَر همزتُه، المضارع تعرفون همزته تُفتح، أو لا؟ (أَظن)، (أَقوم)، وتُضَمُّ في الرباعي مثل: (أُكرِم)، لكن هذا (إخالك) ما هي (أخالك)، (إخالك) بمعنى أظنُّك، وهي تنصب مفعولين: الكاف الأول، و(ناجيًا) الثاني.
كلام ابن القيم، يقول: إن نجوتَ من هذا الأمر نجوتَ من أمرٍ عظيمٍ، وإن لم تنجُ منه فلستَ بناجٍ. وصَدَق رحمه الله، ففتِّش يا أخي نفسَك في هذا الباب وفي غيره؛ هل أنت سالم؟ هل أنت تحتاج إلى تقوية؟ الإنسانُ كلَّ يومٍ أو كلَّ أسبوعٍ يغيِّر الثوبَ لأجل أن يكون ثوبُه نظيفًا، لكن ثياب الأعمال الصالحة متى تغير؟
طالب: لعله بالحول.
الشيخ: إي نعم، يمكن في رمضان يغيِّرونه بعضُ الناس. فلذلك يجب أن الإنسان يلاحظ ها المسألة، أنا أقول لكم هذا وأنا أكثر منكم ذنوبًا، نسأل الله السلامة والعافية، لكنِّي أرجو من الله عز وجل إذا قلتُ لكم هذا أنني أتذكَّر أنني قلتُ لكم حتى يُعينني على الفعل.
فالحاصل أنَّ الأمور هذه يجب أن الإنسان يحاسب نفسَه، وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله الذي اعتبره بعضُ العلماء من الخلفاء الراشدين، وهو صحيح من الخلفاء الراشدين، قال: حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا .
قال المؤلف: (فيه مسائل). الآن مَن عنده سؤالٌ فليسأل.
طالب: بعض الناس .. حديث: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ، يظنُّ من هذا الباب أنَّ الله قد يعذِّب أهل طاعته؟
الشيخ: لعل هذا في باب القَدَر اللي بيجينا اليوم.
طالب: يا شيخ، نسبة هذه المقولة أليستْ لعمر بن الخطاب؟
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا .
الشيخ: لا، اللي أعرفه عن عمر بن عبد العزيز.
الطالب: تكاثرت أنها لعمر بن الخطاب.
الشيخ: اللي أعرفه أنها لعمر بن عبد العزيز، وعمر بن عبد العزيز جدُّه عمر بن الخطاب.
طالب: شيخ، استعجال النصر من الله من بعض أنبيائه قد يرد (...)، يعني ما فيه شيء؟
الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنهم يسألون الله، يدعون الله عز وجل، ولا مانع من هذا؛ يعني حتى المصائب اللي يُقدِّرها الله عليك لا مانع أنك تدعو الله عز وجل أن يرفعها عنك.
قال: (فيه مسائل؛ الأولى: تفسير آية آل عمران). وهي قوله: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [آل عمران: ١٥٤]، وقد تقدَّم لنا أن هذا مِن قول مَن؟ من قول المنافقين.
(الثانية: تفسير آية الفتح). قوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ [الفتح: ٦]، وهم المنافقون والمشركون.
(الثالثة: الإخبار بأنَّ ذلك أنواعٌ لا تُحصَر). (بأنَّ ذلك) يعني ظن السَّوء (أنواعٌ لا تُحصَر)، مَن اللي أخبر بهذا؟
طالب: ابن القيم ذكره.
الشيخ: إي، ابن القيم، ولهذا لو قال المؤلف رحمه الله: (بيانُ أنَّ ذلك أنواعٌ لا تُحصر)؛ لأنه قد يتبادر إلى ذِهن الإنسان أنَّ كلمة (الإخبار) أنها آثار عن الشرع، لكنَّها هي من كلام ابن القيم، والضابط في هذه الأنواع ما هو؟
طالب: ظن ما لا يليق.
الشيخ: أن يظنَّ بالله ما لا يليق به.
(الرابعة: أنَّه لا يَسْلم من ذلك إلا مَن عرف الأسماءَ والصفاتِ وعرف نفسَه).
ابن القيم ذكر: (إلا مَن عرف اللَّهَ وأسماءَه وصفاتِه وموجَب حِكمته وحمده)، ولكنَّه -ابن القيم- أشار إلى معرفة النفس بقوله: (فتِّش نفسَك)، فالإنسان لا يَسْلم مِن هذا إلا مَن عرف اللَّهَ عز وجل بأسمائه وصفاته وموجَب حِكمته وحمده، وعرف نفسَه وأنه في الحقيقة هو محلُّ السوء وهو محلُّ النقص، أمَّا الربُّ جل وعلا فإنَّ له الكمال المطْلق، ولا يعتريه نقصٌ بوجهٍ من الوجوه.
هذا الباب ما مناسبته للتوحيد؟
طالب: باب الإيمان بقضاء الله وقَدَره.
الشيخ: غير.
طالب: ظنُّ السَّوء بالله يُنافي كمالَ التوحيد.
الشيخ: صح، ظنُّ السَّوء بالله ينافي كمالَ التوحيد، وينافي الإيمانَ بالأسماء والصفات؛ لأنَّ الإيمان بالأسماء والصفات قال الله فيه: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠]، الْحُسْنَىاسم تفضيل، فإذا ظُنَّ بالله ظَن السَّوء ما كانت أسماؤه حُسنى. وقال في الصفات: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠]، إذا لم يكن المثل الأعلى -يعني الوصف الأعلى- لله عز وجل فهذا هو ظن السَّوء.
طالب: يا شيخ، ويُنافي توحيد الربوبية والأسماء والصفات؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، جواب (فإن تنجُ) الجواب محذوف؟
الشيخ: لا، (تنجُ).
الطالب: الثانية؟
الشيخ: الثانية إي.
طالب: يا شيخ، لو اعتقد أنَّ الله يبتلي عبادَه المؤمنين، يعني يستعدُّ للاختبار والابتلاء إذا آمن؟ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢]؛ فيه مصائب، فيه..، هل هذا..؟
الشيخ: لا، هذا ما هو ظن السَّوء؛ يعني كونه مثلًا يظنُّ أن الله قد يبتلي المؤمنين لكن لِحِكَم، ما هو بيبتليهم لمجرَّد أن يصيبهم بعذابٍ أو يؤلمهم، ولكنها لِحِكَم؛ مثلما أنَّ المريض .. يمكن المريض نكويه بالنار، يتألَّم بذلك لكن لمصلحته، لغايةٍ محمودة. نُعطيه الدواء المرَّ الكريه الرائحة، وربما الكريه المنظر أيضًا، طعم ورائحة ومنظر، لكنه العاقبة حميدة (...).
طالب: له أو لغيره يا شيخ، قد تكون لغيره.
الشيخ: قد تكون له ولغيره، إي نعم.

***

باب: ما جاء في منكري القدر
00:32:23

قال: (باب ما جاء في منكري القدر). عجيبة الياء هذه! كيف جاءت؟
طالب: يا شيخ، حُذفت النون للإضافة.
الشيخ: (منكري) الياء اللي جاءت هذه لأنَّه جَمْع، وأصلُه (منكرين)، لكن حُذفت النون للإضافة، كما يُحذَف التنوين أيضًا للإضافة؛ قال الشاعر:
كَأَنِّيَ تَنْوِينٌ وَأَنْتَ إِضَافَةٌ فَأَيْنَ تَرَانِي لَا تَحِلُّ جِوَارِي

هو يقول: (لا تحلُّ مكاني)، لكن ينبغي أن تقول: (لا تحلُّ جواري). إذَن نون المثنى ونون جمع المذكر السالم عند الإضافة؟
طالب: تُحذَف.
الشيخ: تُحذَف. طيب، زين. فيه أيضًا اللي يقول:
كَأَنِّيَ مِنْ أَخْبَارِ (إِنَّ) وَلَمْ يُجِزْ لَهُ أَحَدٌ فِي النَّحْوِ أَنْ يَتَقَدَّمَا

هذا واحد يقول: ليش أنت دائمًا تتأخَّر؟
قال:
كَأَنِّيَ مِنْ أَخْبَارِ (إِنَّ) وَلَمْ يُجِزْ لَهُ أَحَدٌ فِي النَّحْوِ أَنْ يَتَقَدَّمَا

لكنْ يُجيز النحويون أن يتقدَّم إذا كان يُجَرُّ، إذا كان جارًّا ومجرورًا يتقدَّم، إي نعم.
إذَنْ (منكِري القَدَر) ما هو (القَدَر)؟ القَدَر هو تقدير الله عز وجل، تقدير الله تعالى للكائنات هذا هو القَدَر، وهو -أي القدر- سرٌّ مكتومٌ لم يُطْلع الله عليه أحدًا لا مَلَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مُرسَلًا، ولا نعرف قَدَر الله إلا إذا وَقَع، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هو مكتوم عنَّا سواءٌ كان من الأمور اللي فيها الخير أو من الأمور اللي فيها الشر، ولا نعلمه إلا إذا وقع؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ القَدَر سرُّ الله عز وجل في خلْقه؛ لأنه ما هو معلوم.
ثم اعلمْ أنَّ القَدَر يأتي بمعنى التقدير ويأتي بمعنى المقدَّر، كما أنَّ الخلْق يأتي بمعنى التخليق والتكوين ويأتي بمعنى المخلوق؛ فمثلًا تقول: هذا تقدير الله. واحد أُصيبَ بحادث مَثَلًا أو بمرضٍ تقول: هذا تقدير الله. بمعنى المقدَّر؛ أي: ما قدَّره. وتقول: إنَّ قَدَر الله للأشياء سابقٌ. يعني تقديره لها. هذا واحد. التقدير إذَن يأتي بمعنى فِعْل الله عز وجل وبمعنى مفعول الله عز وجل.
ثانيًا: التقدير يكون مصاحبًا للفعل ويكون سابقًا له؛ فالمصاحب للفعل هو الذي تتعلَّق به القدرة، والسابق هو الذي قدَّره الله تعالى في الأزل.
مثال ذلك: هذا رجلٌ خَلَقه الله عز وجل؛ خَلَق الله هذا الجنين في بطن أُمِّه، فيه تقدير سابق؛ تقدير علمي، متى يكون؟
طالب: قبل خلْق السماوات والأرض.
الشيخ: قبل خلْق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
وفيه تقدير مقارِن للخلْق والتكوين، هذا هو الذي تتعلَّق به القدرة؛ يعني تقدير الله لهذا الشيء عند خلْقه، هذا تتعلَّق به القدرة.
الإيمان بالقَدَر يتعلَّق بتوحيد الربوبية أو بتوحيد الألوهية أو بتوحيد الأسماء والصفات؟
طلبة: (...).
الشيخ: أخصُّ ما يكون له من الأنواع توحيد الربوبية، وله تعلُّق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأنه من كمال صفات الله عز وجل.
والناس في القَدَر ثلاثة أقسام: غُلاةٌ في إثباته، وغُلاةٌ في نَفْيه، ووسطٌ. والمؤلف هنا تكلم على منكِريه وهم الغلاة في نَفْيه.
الغُلاة في إثباته أثبَتوا القَدَر، لكنَّهم نفوا قدرة الإنسان واختيارَه وإرادتَه، وهؤلاء هم الجبرية؛ الجبرية قالوا: نؤمن بقَدَر الله، والله مقدِّر كل شيء، لكنَّ الإنسان ليس له قدرة ولا اختيار، تقول مثلًا وأنت الآن قُدِّم لك الغداء أو العَشاء، قال: طيب، قُدِّم، بدأ يأكل، باختيار ولَّا بغير اختيار؟
طلبة: باختيار.
الشيخ: لا، يقول: بغير اختيار، يأكل بغير اختيار، وينتهي من الأكل بغير اختيار، وينام على فراشه بغير اختيار، كأنَّه أعمى ما يدري ما يفعل.
جاء يصلي قال: أنت جئتَ تصلي باختيار ولَّا بغير اختيار؟ قال: بغير اختيار. كيف يصير لك أجر وأنت جاءٍ بغير اختيار؟!
واحد فَعَل معصية، فعلتَ المعصية باختيار ولَّا لا؟ قال: لا، بغير اختيار. كيف يصير عليه إثم؟ وشو أنه يأثم المسكين وهو غَصْب عليه بدون اختيار وبدون قُدرة وبدون إرادة؟! قالوا: نعم، هل تُنكر أنَّ الله خالق كلِّ شيء؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تُنكر، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢]، وفِعْلك من الأشياء، فالله هو الذي خَلَقه.
طالب: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦].
الشيخ: نعم، خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ. إذَن ما لك قدرة ولا اختيار. ولا شكَّ أن هذا القول باطلٌ يُبطله الكتابُ والسُّنَّة والعقل وإجماع السلف؛ فالكتاب والسُّنَّة أثبتا للإنسان قدرةً واختيارًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش مثال الاختيار؟ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢]، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧]، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: ٢٨].
وفي القدرة: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
إذَن فأثبتَ للإنسان إرادةً وقدرةً.
هل أثبت له فعلًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، أثبتَ له فعلًا، وأثبتَ له عملًا: والله خبير بما تفعلون، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا كانت الآية كذا أو ما أعرف لفظها بالضبط الآن؛ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: ٨]، وفيه: بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل: ٨٨]، فأثبتَ للإنسان فِعْلًا وأثبتَ له عملًا.
وأثبتَ له قولًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧].
أمَّا السُّنة فكذلك دلَّتْ على أن للإنسان إرادةً وله قدرةً؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وأحاديث كثيرة تمرُّ عليكم؛ الرسول يسأل: هل تريدُ كذا؟ قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا تَحَلَّلْتُ مِنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ، وأمثال هذا كثير.
العقل أيضًا يدلُّ على أن الإنسان يفعل باختيار؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يدلُّ على أن الإنسان يفعل باختيار، ولَّا لا؟ ويفرِّق بين الفعل الاختياري والفعل غير الاختياري.
سبحان الله! رجُل في أعلى الدرجة، قلنا له: استرحْ قليلًا. قال: واللهِ بأنزل، أنا عندي شغل. وبدأ ينزل من الدرجة على درجة درجة إلى أن وصل أسفلها، هذا باختيار ولَّا بغير اختيار؟
طالب: باختيار.
الشيخ: رجُل قلنا له: استرحْ قليلًا عندنا. قال: أنا لي شغل. مسكناه (...) إلى آخر الدرجات. باختيار ولَّا بغير اختيار؟
طلبة: بغير اختيار.
الشيخ: الفعلان عند الجبرية على حدٍّ سواء، ولا أحد يشكُّ بأنَّ بينهما فرقًا.
ذكروا أنَّ سارقًا جيء به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمر بقطع يده، فقال السارق: مهلًا يا أمير المؤمنين، واللهِ ما سرقتُ هذا إلا بقدر الله. قال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدر الله . حجَّه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مع أنَّ قطْع أمير المؤمنين يده فيه القدَر والشرع، وسرِقة السارق فيها القدَر دون الشرع؛ الشرع ما يأمره بأن يسرق، لكن يأمرنا بأن نقطع يده.
فالحاصل أنَّ هذا القول -القول بالجبر والعياذ بالله- قولٌ باطل، ويترتب عليه من ظن السَّوء بالله شيءٌ كبيرٌ، يترتب عليه أن الله يظلم العباد، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: حيث يعاقبهم على أمرٍ ليس باستطاعتهم.
يترتب عليه أن الله يُثيب الإنسانَ بدون فعلٍ منه، وهذا سفهٌ؛ لأن المطيع ما أطاع بنفسه، إنما أطاع جبرًا عليه، فكوننا نُثيبه ونعطيه وهو ما فعل باختياره هذا سفه.
يترتب عليه أنَّه يقتضي انتفاء حكمة الله تعالى في الشرع؛ لأنَّ الله يقول: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: ٧]، فإذا كان الإنسان اللي يُحسِن العمل واللي ما يُحسِن العمل كلاهما سواءٌ فأين الحكمة؟ فهو إذَن قولٌ باطل.
الطرف الثاني قالوا: نحن اللي عندنا العلم، أنتم جُهَّال ما تعرفون، ولا عندكم عقلٌ ولا نظر، النظر عندنا، الإنسان حُرٌّ يفعل باختياره، وليس مَن به سلس البول كمن يبول بانتظام، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجبرية ظنوا أنهم كلهم سواء، هؤلاء قالوا: أبدًا، ما يمكن نوافقكم على هذا، أنتم كلامكم هذا سفهٌ وجنون، الإنسان حُرٌّ -هذا كلام الذين ينكرون القدر- الإنسان حُرٌّ؛ يفعل باختيار، يأكل باختيار، ويشرب باختيار، وينام باختيار، ويصلي باختيار، ويصوم باختيار، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: ويموت باختيار؟
الشيخ: لا، الموت ليس من فِعْله.
فهُم يقولون كل هذا، فإذا كان كذلك فإنَّ الإنسان مستقلٌّ بعمله، ما لله فيه قدرة ولا لله فيه اختيار.
ثم انقسموا إلى قِسمين: منهم مَن قال: إنَّ الله يعلم ما سيصنعه العبد وإنَّ الله تعالى مقدِّرُه، ومنهم مَن قال: إنَّ الله لا يعلمه ولا يقدِّره. واتفقوا جميعًا على أن الله تعالى لم يشأْه ولم يخلقه.
فعندنا أربعة أمور: أنَّ الله عَلِمه، وقدَّره، وشاءه، وخَلَقه.
القدرية اللي ينكرون القَدَر اتفقوا على أنَّ الله تعالى لم يشأْ أفعالَ العبد ولم يخلقها، ثم اختلفوا هل عَلِمها وقدَّرها أم لا؛ فقال غُلاتهم وقدماؤهم: إنَّ الله لم يعلمها ولم يقدِّرها، وقالوا: إن الأمر أُنُفٌ -يعني مستأنَف- وإنَّ الله لا يعلم من أفعال العباد إلا ما وقع، ما يدري ويش بيسوِّي العبد، لكن إذا وقع عَلِم به. وهؤلاء كفَّرهم السلف وقالوا: إنهم كفار؛ لأنهم أنكروا عموم عِلْم الله عز وجل.
لكن استقرَّ أمْر القدرية على إثبات العلم والتقدير وعلى نَفْي المشيئة والخلْق؛ قالوا: إن الله لم يشأْ أعمالَ العباد ولم يخلقها، لكنَّه عَلِمها وقدَّرها.
طيب، علمها وقدَّرها، إذا كان عَلِمها وقدَّرها هل وقعتْ على مقتضى عِلمه وتقديره أم لا؟ إن قالوا: لا، ما صاروا مؤمنين بذلك، وإن قالوا: على مقتضى عِلْمه وتقديره صارتْ واقعةً بمشيئته وخلْقه؛ ولهذا قال الشافعي وغيره من أهل العلم في هؤلاء القدرية (...).
ويش معنى المناظرة؟ كل واحد يناظر الثاني؟
طالب: لا، (...).
الشيخ: إلا، كل واحد يناظر الثاني يا إخواني، المناظرة كل واحد يناظر الثاني، ولكن يناظره عقلًا واستدلالًا ولَّا يناظره وجهًا؟
طالب: عقلًا واستدلالًا.
الشيخ: عقلًا واستدلالًا، طيب، إذَن يقول: (ناظِروهم بالعلم، إنْ أنكروه كفروا). صحيح؛ لأنَّ اللي يُنكر عِلْمَ الله عز وجل كافر (وإنْ أقرُّوا به خُصِموا). ويش معنى (خُصِموا)؟ يعني غُلِبوا؛ لأنهم إذا أقرُّوا بالعلم نقول لهم: طيب، هل جاء هذا المقدور أو هذا الفعل على مقتضى عِلْم الله أو على خلافه؟ إن قالوا: على مقتضى العلم خُصِموا، وإن قالوا: على خلافه فقد أنكروا العلم، والله أعلم.

***

مراتب القدر أربع، كلُّها يجب على الإنسان أن يؤمن بها:
المرتبة الأولى: العلم؛ وذلك بأن تؤمن بأنَّ الله تعالى عَلِم كلَّ شيءٍ جملةً وتفصيلًا؛ عَلِم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كلُّ شيءٍ عَلِمه، الدقيق والجليل، ودليل ذلك في الكتاب كثير، منها قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، الأوراق التي تتساقط ميتة، أي ورقةٍ كانت صغيرة أو كبيرة، في بَرٍّ أو بحرٍ أو حضرٍ فإنَّ الله تعالى يعلمها، والورقة التي تُخلَق؟
طالب: يعلمها.
الشيخ: يعلمها من باب أَوْلى. شوفوا سعة عِلم الله عز وجل وإحاطته؛ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِيعني إلا يعلمها، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ؛ لنفرضْ أننا في ليلةٍ مظلمةٍ ما فيها قمر، وفيها سحابٌ متراكمٌ، ونحن في قاع البحر، حبَّة في قاع البحر في باطن أرض القاع، كم ظُلمة عليها؟
طالب: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [النور: ٤٠].
الشيخ: ظُلمات متعدِّدة، ظُلمة الطبقة الأرضية، ثم البحر، ثم المطر، ثم السحاب المتراكم، ثم ظُلمة الليل، كل هذا داخلٌ في قوله: وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ، ثم جاء العموم المطْلق؛ قال: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ، والأشياء كلُّها إمَّا رطبةٌ وإمَّا يابسة إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، ولا كُتِب إلا بعد أن عُلِم، ما كُتِب إلا بعد العلم، ففي هذه الآية الكريمة إثبات العلم وإثبات الكتابة.
وقال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠]، ففي الآية أيضًا إثبات العلم وإثبات الكتابة. هاتان مرتبتان.
المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، وهذه أيضًا عامَّة، فما من شيءٍ في السماوات والأرض إلا وهو كائنٌ بإرادة الله ومشيئته، كلُّ شيء؛ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وما من شيءٍ إلا وهو مرادٌ له، لا يكون في مُلكه ما لا يريد أبدًا، فإذَن مشيئة الله تعالى عامة.
أمَّا فيما يفعله سبحانه وتعالى بنفسه فالأمر ظاهر، وأمَّا ما يفعله المخلوق من آدميٍّ أو بهيمٍ فهو كذلك كائنٌ بمشيئة الله؛ قال الله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام: ١١٢]، إذَن فهُم فعلوه بماذا؟ بمشيئة الله.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام: ١٣٧]، آية ثانية، إذَن فما فعلوه فبمشيئة الله.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالَّة على أنَّ مشيئة الله عامة، فما من شيءٍ كائنٍ إلا بمشيئة الله، لا يكون في مُلكه ما لا يريد أبدًا؛ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [المائدة: ١٢٠]، وهذا الملك لا يكون فيه شيءٌ لا يريده الله.
المرتبة الرابعة: الخلْق، وهو أنَّه ما من شيءٍ في السماوات ولا في الأرض إلا الله خالقُه ومليكُه ومدبِّرُه وذو سلطانه سبحانه وتعالى؛ قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] وهذا العموم لا مخصِّص له، كلُّ شيءٍ فالله خالقُه.
طيب، الآدمي مخلوقٌ ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، فِعْله؟
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك مخلوق؛ لأنَّ فِعْل العبد من صفاته، ولهذا جعلنا صفات الله فعلية وذاتية، فِعل العبد من صفاته؛ لأن فِعل العبد ناتجٌ عن أمرين: عن إرادةٍ جازمة، وقدرةٍ تامة؛ فلولا الإرادة من الإنسان ما فعل، ولولا القدرة ما فعل، أليس كذلك؟ لو أنَّ رجلًا لم يُرِد أن يسافر ما سافر، ولو أراد السفر لكن ما عنده مال ما سافر؛ إذَن ففِعْلك ناتجٌ عن أمرين: الإرادة الجازمة، والقدرة التامة.
من الذي خلق فيك الإرادة الجازمة والقدرة التامَّة؟ الله عز وجل، لو شاء الله تعالى ما أردتَ، ولو شاء ما قدرتَ، وكم من مرَّةٍ يريد الإنسانُ شيئًا فلا يدري إلا والله صارِفُه عن إرادته بدون أي سبب، وقد يكون بأسبابٍ يقدِّرها الله عز وجل، وقد يكون بموانع تمنعه من إرادة ذلك الشيء؛ قيل لأعرابيٍّ: بم عرفتَ ربَّك؟ فقال: بصرف الهِمَم . وهذا أمرٌ واضح أنَّ الإنسان قد يريد ثم ينثني عزمُه.
إذَنْ فِعْل العبد يكون مخلوقًا لله ولَّا غير مخلوق لله؟ يكون مخلوقًا لله، لكن تعلَّق بفعل العبد شيئان: خَلْق، ومباشَرة؛ عمل مباشر؛ فالعمل المباشر لمن؟ للإنسان نفسه، ولكن الخلق للخالق.
ففِعلك -بالحقيقة- يتعلَّق به شيئان: أحدهما فيما يتعلَّق بالله عز وجل فهو خالقُه، والثاني فيما يتعلَّق بالمباشَرة بفعلك وهذا يُنسَب إليك، وكما قال الله تعالى في القرآن: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢]، وما أشبه ذلك. عرفت؟
ولولا هذا .. لولا أنك يُنسَب إليك الفعلُ ما كان هناك فائدة للثناء على المؤمن المطيع وإثابته، وعقوبة العاصي الكافر، ولكن الإنسان يفعل بإرادته كما هو ظاهرٌ معلوم.
فتبيَّن الآن بأن مراتب القدر أربعة: العِلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وأنَّ أهل السُّنة والجماعة يؤمنون بكلِّ هذه المراتب الأربعة، وأدلَّتُها كما عَلِمتم، وقد جُمِعتْ هذه المراتب الأربع في بيتٍ أنشدناه لكم قديمًا، مَن يحفظه؟
طالب:
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ

الشيخ:
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ

هذه المراتب الأربع.
طيب، إذا كانت هذه المراتب الأربع هي مراتب الإيمان بالقدر، هل هناك مراتب أخرى؟
الجواب: نعم، هناك تقديرات أخرى لكنَّها نسبيَّة؛ فيه تقدير عمري يكون والإنسان في بطن أُمِّه؛ حين يبلغ أربعة أشهر فيُرسِل الله إليه مَلَكًا ينفخ فيه الروح، ويكتب رِزْقه، وأجَلَه، وعَمَله، وشقيٌّ أمْ سعيدٌ.
وفيه أيضًا الكتابة الحولية، وهي التي تكون في ليلة القدر، يُكتَب فيها ما يُقَدَّر في السَّنة.
قال بعضهم: وفيه كتابة يومية، واستدلَّ لها بقول الله تعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩]، فهو كلَّ يوم يُغني فقيرًا ويُفقِر غنيًّا، ويوجِد معدومًا ويُعدِم موجودًا، ويبسط الرزق ويَقْدره، ويُنشئ السحابَ والمطرَ، وغير ذلك، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍجل وعلا، فِي شَأْنٍشؤون عظيمة كثيرة.
فهذه مراتب القدر، أربع.
فإن قلت: هل الإيمان بالقدر يُنافي ما عُلِم بالضرورة من أن الإنسان يفعل الشيء باختياره؟
فالجواب: لا؛ لأنَّ هذا الذي يفعله الإنسان باختياره هو من قَدَر الله؛ كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَمَّا أقبلَ على الشام وقالوا له: إنَّ في الشام طاعونًا يفتك بالناس -يموِّتهم- فأوقف المسيرَ وجمع الصحابةَ، شاوَرَهم، ثم شاورَ الأنصارَ ثم المهاجرين، وكان الأكثر أنهم يقولون: نرجع، فعَزَم على الرجوع، فجاءه أبو عُبيدة أمينُ هذه الأُمَّة عامرُ بن الجراح وقال له: يا أمير المؤمنين، كيف ترجع؟ أفِرارًا من قَدَر الله؟ أجابه عمر قال: نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله. إحنا مُضِيُّنا في السفر بقَدَر الله، ورجوعنا بقَدَر الله، ما خرجنا عن قَدَر الله؛ نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله. ثم ضرب له مثلًا؛ قال: أرأيتَ لو كان لك غنمٌ وعندك وادٍ له شُعبتان إحداهما مُخصِبةٌ والثانية مُجدِبةٌ؛ أيهما ترعى؟ ويش قال؟
طلبة: المخصبة.
الشيخ: المخصبة طبعًا. قال: إن رعيتُ المخصبة فبقدَرَ الله، وإن ذهبتُ إلى المجدبة فبقَدَر الله . كلُّه بقَدَر الله، فأنت وإن كنتَ تفعل فإنما تفعل بقَدَر الله.
فإن قلت: إذا قرَّرتَ ذلك لَزِمك أن تجعل العاصيَ معذورًا بمعصيته؛ لأنه يقول: أنا أعصي بقدر الله. فما الجواب؟
الجواب: لا، فإنَّ احتجاج العاصي بالقدر باطلٌ بالشرع والنظر؛ أمَّا بُطلانه بالشرع فقد قال الله عز وجل: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨]، كلام جميل، صحيح، أو لا؟ لو شاء الله ما أشركوا، ولكنَّهم ما قالوا ذلك على سبيل الإيمان بالقدر، لكن على سبيل الاحتجاج بالقدر على معصية الله. فماذا قال الله فيهم؟ قال الله تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا، ولو كانت حُجَّتهم صحيحة ما أذاقهم الله بأسه؛ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨]، هذا دليل واضح على بُطلان احتجاج العاصي بالقدر على معصيته.
فيه دليل آخر وهو قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، فهنا أبطلَ اللَّهُ الحجةَ على الناس بإرسال الرُّسُل، ولو كان القدر حجةً ما انتفتْ بإرسال الرسل؛ لأنَّ القدر باقٍ حتى مع إرسال الرسل، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: فهذا أيضًا دليلٌ على بُطلان احتجاج العاصي على معصيته بقدر الله.
وأمَّا النظر فإنَّنا نقول: هذا الاحتجاج باطلٌ يا أخا القدَر. كيف باطل؟ نقول: الآن نُشِر في الجريدة الرسمية أن فيه وظيفة مرتبتها عشرة آلاف ريال، وفيه وظيفة مرتبتها خمسة آلاف ريال، وفيه وظيفة مرتبتها ثلاثة آلاف ريال، هل تذهب تُسابق، ولَّا لا؟
طالب: لا شك.
الشيخ: إلى وين؟ إلى اللي بعشرة آلاف ريال، إذا ما حصلتْ ينزل إلى الخمسة، إذا ما حصلتْ ينزل إلى الثلاثة، إذا ما حصلتْ قال: أنا اللي مفرِّط، ليش ما تقدمت من أول الناس!
عندنا وظائف دينية؛ الصلوات الخمس كفارةٌ لِمَا بينها ، الصلوات الخمس كنهرٍ على باب أحدنا يغتسل فيه كلَّ يوم ، الصلاة مع الجماعة كم؟ أفضلُ من صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة ، وين أنت عن هذا؟ (...) تروح للوظائف هذه؟ ليش تترك ها الوظائف احتجاجًا بالقدر وتروح تلهث للعاصمة من أقصى البلاد علشان عشرة آلاف ريال المرتبة ثم الخمس ثم الثلاث؟ وهذا واضح جدًّا.
ومن العجب أن المصلحة لمن؟ للإنسان، سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة؛ يعني: سواءٌ في الأعمال الدنيوية؛ الوظائف اللي قُلنا، أو في أعمال الآخرة، المصلحة لك، فكيف تحتجُّ بالقدر على ما يتعلق بأمور الآخرة ولا تحتجُّ بالقدر على ما يتعلَّق بأمور الدنيا؟
رجل آخر قال: واللهِ أسألُ اللَّهَ يرزقني ولدًا صالحًا طالبَ علمٍ عابدًا غنيًّا كريمًا. قلنا: طيب، وكل فردٍ يسأل اللَّهَ هذا السؤال. نقول له: تزوج حتى يجيئك ولد. قال: اللَّهَ يرزقني ولدًا صالحًا. كلما قيل له قال: اللَّهَ يرزقني ولدًا صالحًا. يجيئه الولد ولَّا ما يجيئه؟
طلبة: ما يجيئه.
الشيخ: لكن إذا تزوَّج بمشيئة الله عز وجل فإنَّه قد يُرزَق هذا الولد. هذا اللي يجيء يقول: أسأل الله الجنةَ والنجاةَ من النار، لكن ما يعمل عَمَلها، يمكن ينجو من النار ويدخل الجنة؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن. إذَنْ فبَطَل الاحتجاج بالقدر على معاصي الله بالأثر والنظر، والأمر -والحمد لله- واضح؛ ولهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعطى كلمةً جامعةً مانعةًَ نافعةً لَمَّا قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العملَ ونتَّكل؟ ويش قال؟ «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» . لو أراد أكبر المؤلفين يكتبون مِثْل هذه العبارة الجامعة المانعة النافعة ما استطاعوا، تلقى هؤلاء الجيِّدين اللي يقال: إنهم فلاسفة أو متفلسفة يكتب على مِثْل هذه الجملة البسيطة يكتب صفحات: فإن قيل فالجواب، فإن قيل فالجواب، فإن قيل فالجواب. والرسول صلى الله عليه وسلم أعطانا كلمة واحدة، أيش قال؟ «اعْمَلُوا» كلمة، «اعْمَلُوا» فعل أمر «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». لو مشينا على هذا هل تَرِد علينا هذه الإيرادات التي يوردها مثل هؤلاء؟ لا واللهِ ما تَرِد. فالحاصل أن الإيمان بالقدر ليس حجةً للعاصي على معصيته.
الإيمان بالقدر له فوائد عظيمة:
منها: أنَّه تكميلٌ لتوحيد الربوبية، ونحن مطالَبون بأقسام التوحيد وتكميلها.
ومنها: أنَّه يوجِب صِدْق الاعتماد على الله عز وجل؛ إذا عَلِمتَ أنَّ كلَّ شيءٍ بقضاء الله وقَدَره صَدَق اعتمادُك على الله.
ومنها: أنَّه يوجِب للقلب الطمأنينة، إذا عَلِمتَ أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطِئك وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، أيش تقولون؟ تطمئنُّ، إذا أصابك السوء قلتَ: هذا مكتوبٌ عليَّ، تطمئن.
ومنها: أنَّ الإنسان لا يُعجَب بعمله إذا عَمِل عملًا يُشكر عليه؛ لأنَّ الله هو الذي منَّ عليه وقدَّره له، وقد أشار الله إلى هذا بقوله: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ-شوف لِكَيْلَا تَأْسَوْاهذه الطمأنينة اللي احنا قُلنا- لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْويش بعدها؟
طالب: وَلَا تَفْرَحُوا.
الشيخ: وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٢، ٢٣] يعني: فَرَحَ بطرٍ وإعجابٍ بالنفس.
ومنها؛ أي: من الإيمان بالقدر: أنَّ الإنسان يفعل الأسبابَ، وهذا إنما يتأتَّى حيث يؤمن الإنسان بحكمة الله عز وجل، وأنَّه جل وعلا لا يُقَدِّر الأشياء إلا مربوطةً بأسبابها؛ لأنَّ هذا هو تمام الحكمة. وأهمُّ شيءٍ هو طمأنينة القلب، وعدم إعجابه بما صَنع، واعتماده على الله سبحانه وتعالى، وتكميل أيش؟ توحيد الربوبية. كلُّ هذه من فوائد الإيمان بالقدر.
ثم اعلمْ أنَّ القدر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: «الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . وإذا كان القدر من الله فكيف نقول: الإيمان بالقدر خيرِه وشرِّه؟ وهل الشرُّ إلى الله؟ هل يُنسَب الشرُّ إلى الله؟ كلَّا، لا يُنسَب إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ، فلا يُنسَب الشرُّ إلى الله لا فعلًا ولا تقديرًا ولا حُكمًا، ما يُنسَب إليه أبدًا، إنما يكون الشرُّ في المفعولات لا في فِعْل الله، والفرق بين الفعل والمفعول ظاهر؛ عندما يشتكي ولدُك ويحتاج إلى كيٍّ فتكويه، فالنار سوف تحرقه وتؤلمه، هذا شرٌّ، فالمفعول الآن شرٌّ، لكن فِعْلي خيرٌ؛ لأني أُريد مصلحتَه، فهناك فرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشرُّ إنما هو في مخلوقات الله.
ثم إنَّه مع ذلك ليس شرًّا محضًا، أتظنُّ أن الذي يسوؤك أو يُقَدِّره عليك من الشرور، أتظنُّه شرًّا محضًا؟ لا، بل هو قد يكون شرًّا في محلِّه في زمنه فقط، يعني شرًّا محدودًا في محلِّه وفي زمنه، فقولنا: في محلِّه لأنَّه قد يكون شرًّا لك لكن خير بالنسبة للآخرين، فإذا رأينا رجلًا ظالمًا تمادى في ظُلمه فأخذه الله أخْذ عزيزٍ مقتدر صار ذلك شرًّا بالنسبة له لكنْ خير بالنسبة للآخرين الذين يتَّعظون بما صنع الله به؛ كما قال تعالى في القرية التي اعتدتْ في السبت، قال: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٦].
ثم إنَّه شرٌّ في زمنه أيضًا، ما هو شرٌّ مُطْلق، شرٌّ في زمنه لأنَّه قد يَعْقُبه خيرٌ؛ فإنَّ الإنسان إذا استمرَّت النعم عليه قد تحمله أيش؟ على الأَشَر والبَطَر، بل إذا استمرَّ في الحسنات ولم يَحصُل منه سيئةٌ تكسر من حِدَّة نفسه قد يُعرِض عن التوبة ويغفل وينساها، وكم من إنسانٍ أذنبَ ذنبًا ثم تذكَّره فاستغفر له وصار بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لأنه كلَّما ذكر معصيتَه هانتْ عليه نفسُه وتطامنتْ وحَدَّ من عليائها، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وانظر إلى آدم عليه الصلاة والسلام، هل حصل له الاجتباء والتوبة والهداية قبل أن يأكل من الشجرة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكنْ لَمَّا أَكَل ونَدِم وقَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]، قال الله تعالى: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢٢].
انظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفوا بعد المعصية وبعد المصيبة التي أصابتْهم، حتى ضاقتْ عليهم أنفسُهم، وضاقتْ عليهم الأرض بما رَحُبت، وصاروا ينكرون الناس حتى أقاربهم؛ صار قريبه يشوفه كأنَّه رجُل أجنبي من شِدَّة ما في نفسه، حتى تنكَّرت نفسُه عليه، بعد هذا الضيق العظيم ويش صار لهم؟ صار لهم بعد التوبة فرح ما له نظير أبدًا، وصارت حالهم أيضًا بعد التوبة؛ بعد أن تاب الله عليهم، أكملَ من قبل، وصارت ذِكراهم بعد التوبة أكبرَ من قبل. لو خرجوا مع الناس إلى تبوك ومشوا، ذُكِروا بأعيانهم وقيل: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨]؟ مَن يُقَدِّر القيمة في هذه الآيات العظيمة التي تُتلى في محاريب المسلمين ومنابرهم إلى يوم القيامة! هذا شيء عظيم.
أقول: إنَّ الإيمان بالقدر يوجِب للإنسان مثل هذه الأمور العظيمة، وإنَّ الشرَّ الذي في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، شرٌّ محدودٌ في محلِّه وزمنه، على أنَّه ليس شرًّا في فِعل الله ولكن شرٌّ في مفعولاته سبحانه وتعالى.
طالب: وقوله: «وَالْقَدَر خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
الشيخ: نعم، إذَن عرفنا القدر الآن أو أخذْنا عنه فكرةً جيدةً إن شاء الله تعالى نسأل الله أن ينفع بها.
فبهذا نعرف أنَّ إنكارَ القدر ضلالٌ مبين، وأنَّ الغُلُوَّ في إثباته أيضًا ضلالٌ مبين، وأنَّ خير الأمور الوسط، وهو الذي عليه أهل السُّنة والجماعة.
وبهذه المناسبة نودُّ أن نقول: إنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيرًا- ذَكَر أنَّ أهل السُّنة والجماعة وسطٌ بين فِرَق المبتدعة في خمسة أصول (...).

***

الشيخ: (...)؟
طالب: إي نعم، وقوله: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧]، وإذا كان الله (...).
الشيخ: العقلية للجبرية؟
طالب: (...).
الشيخ: أدلَّة عقلية.
طالب: قالوا: لو قُلنا بأنَّ العبد يفعل باختياره فلَزِم من هذا إثباتُ خالقَينِ، والخالق واحدٌ سبحانه وتعالى، فالعبد يخلق فعله والله يخلق (...).
الشيخ: إي، يعني لو قُلنا: إنَّ الإنسان مختارٌ لَزِم أن يكون في مُلك الله عز وجل ما لا يريده بأن يكون مستقلًّا، وهذا إذا كان يجاوب ممن؟ القدرية، هذا صحيح كلامهم في الردِّ على القدرية.
فإذَن بماذا نردُّ عليهم؟ بالأدلة النقلية والعقلية.
طالب: نقول: لو كان كلامكم صحيحًا لَكان إرسال الرسل عبثًا، وهذا مستحيلٌ أن يُرسِل الله سبحانه وتعالى الرسلَ عبثًا.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأنَّ إذا قلتم: إنَّ الإنسان مجبورٌ على عمله، فمعنى ذلك أن طاعة الرسل ما فيها (...).
الشيخ: يعني أنَّ إرسال الرسل لا تقوم به الحجة؛ لأنَّ القدر لا يزال موجودًا حتى بعد إرسال الرسل، وقد نفى الله عز وجل الحجةَ بعد إرسال الرسل فقال: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، ولو كان الإنسان مجبَرًا لَقال: يا ربِّ وماذا تفيدنا الرسل؟ نعم، هذا دليل.
طالب: (...) أنه لو قلنا بالإجبار..
الشيخ: لا، لا تَقُل: لو قُلنا. نريد أدلَّة، ما هو تعليل.
الطالب: دليل العقل يعني.
الشيخ: لا، لأنه ما بعد وصلنا للعقل.
طالب: شيخ، قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢]، فأثبت للمخلوق إرادة.
الشيخ: لا، هذا في الردِّ عليهم.
الطالب: إي، في الردِّ عليهم.
الشيخ: لا، نريد إثبات حُجَّتهم. ما هو هذا اللي نحن نريد؟
طلبة: (...) الرد عليهم.
الشيخ: إي، أحسنتم، إذن هات اللي عندك.
طالب: قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، فأثبتَ للعبد إرادة.
الشيخ: صح، وكذلك قوله: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
طيب، بماذا نردُّ عليهم بالأدلة العقلية؟
طالب: نقول: إنَّ هناك فرقًا يعني (...) بالضرورة بين الفعل الاختياري واللااختياري، وأنَّه لو قلنا: إنَّ هذا وهذا سواءٌ لَمَا كان هناك فرقٌ بين المطيع والعاصي، ولَكان من العبث أن يُجازَى هذا وأن يُعاقَب هذا، ولَكان هذا طعنًا في حكمة الله عز وجل.
الشيخ: نعم، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: سمعتم الآن؟ يقول: لو قُلنا بكلامهم هذا وأنَّ الإنسان مجبَرٌ على العمل، لم يكن هناك فرقٌ بين المطيع والعاصي، ولم يستحقَّ المطيعُ الثوابَ ولا العاصي العقابَ، مع أنهم كلٌّ منهم يستحقُّ جزاءَ عمله. وهناك فرقٌ يُعلَم بالضرورة بين الأشياء التي يفعلها الإنسان باختياره والأشياء التي يفعلها مجبَرًا عليها؛ فواحد مثلًا يقود السيارة وجاء على الجدار وصدمها باختياره، وواحد غصْبًا عليه انفلتتْ منه السيارة وعجز عن قيادتها، بينهما فرقٌ ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وبين واحد ينزل من الدَّرَج باختياره درجةً درجةً، وواحد دَفَعه شخص من أعلى حتى أيش؟
طالب: تكسَّر.
الشيخ: لا، ما تكسَّر، لو تكسَّر ما مشى.
طالب: حتى نزل.
الشيخ: لا، حتى تدحرج، فبينهما فرقٌ، ولَّا لا؟ كلنا يعلم ذلك، وكلنا يعرف أيضًا أنَّ الإنسان يذهب ويجيء ويقوم ويقعد ويصلي ويصوم ويزكِّي ويَدَع هذه الأشياء باختياره، ما يرى أنَّ أحدًا أجبره.
طالب: (...) دليل عقلي بأنهم هم لا يعفون عمَّن أساء إليهم؛ لو صَفَعه صافعٌ لطلب حقَّه ولم يقُل ولا احتجَّ بالقدر (...).
الشيخ: إي نعم، كذلك هم أيضًا ما يقولون بهذا؛ لو أنَّ واحدًا منهم صَفَعه صافعٌ من الناس وقال: ليش تعتدي عليَّ؟ قال: واللهِ هذا بالقضاء والقدر. يرضى؟
طلبة: لا ما يرضى.
الشيخ: ما يرضى، لكن لو هو (...) هذا المظلوم (...) يقول: هذا بالقضاء والقدر. ولهذا يقال: إنَّ أمير المؤمنين عمر رُفِع إليه سارقٌ وثبتتْ عليه السرقة، فأمر بقطع يده، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، واللهِ ما سرقتُ إلا بقدر الله. فقال له أمير المؤمنين: نحن لا نقطع يدك إلا بقدر الله أيضًا . صح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وأمير المؤمنين رضي الله عنه أجابه بمثل دليله، وإلا هناك أيضًا دليل آخر أقوى من دليل ذاك؛ لأننا نحن نقطعه بقدر الله وشَرْع الله، وهو يسرق بقدر الله لا بشرع الله.
طيب، المهم الإيمان بالقدر له ثمراتٌ بيَّن الله تعالى في القرآن بعضَها، فمِن ثمراته؟
طالب: أنَّه تكميلٌ لتوحيد الربوبية.
الشيخ: نعم، أنَّه تكميلٌ لتوحيد الربوبية؛ هذا واحد. ثانيًا؟
الطالب: الاطمئنان وعدم التحسُّر.
الشيخ: الاطمئنان وعدم التحسُّر. ما هو دليل ذلك من القرآن؟
طالب: الدليل في سورة الحديد.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ.
الشيخ: اقرأ الآية قبل، علشان نعرف القضاء والقدر.
الطالب: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
الشيخ: صح، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
طالب: من فوائده أن الإنسان لو ظُلم يطمئن له نفسه بأنَّ الله تعالى سيجازي خصمَه بما يستحقُّه، فيأخذ حقَّه من خصمِه في هذا.
الشيخ: واضح هذا؟
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: ما هو بواضح، هذا الإيمان باليوم الآخر.
طالب: (...).
طالب آخر: فيه دليل عقلي أنهم يطلبون (...).
الشيخ: إي، قصدك هذا في الرد عليهم؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يطلبون (...).
الشيخ: نعم، صحيح، هذا مما يُردُّ به عليهم، لكن أنا أريد عاد تجيب لي فوائد الإيمان بالقدر، أعطني فائدة.
طالب: أن الله يقدر الشيء لحكمة.
الشيخ: كيف هذا؟! أن الله يقدر الأشياء لحكمة. هذا من فوائد الإيمان بالقدر؟! ويش لون هذا؟! اشرح هذه.
الطالب: يعني (...).
الشيخ: هذه لا بأس، أنَّ الإيمان بالقدر يقوِّي الاعتمادَ على الله سبحانه وتعالى، وأنَّ الإيمان بالقدر يعرف به الإنسانُ قدْرَ نفسه؛ كما قال الله تعالى: وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد: ٢٣].
طالب: عدم إعجاب الإنسان بنفسه.
الشيخ: إي نعم، هذه، عدم الإعجاب بنفسه.
طالب: أن يفعل الإنسان الأسباب.
الشيخ: أن يقوم بفعل الأسباب؟
الطالب: أن يفعل الأسباب.
الشيخ: إي نعم، أيش تقولون في هذا؟ يقول: من فوائد الإيمان بالقدر أنَّ الإنسان يفعل الأسباب.
طالب: (...).
الشيخ: هذه له ولَّا عليه؟
طالب: لا، عليه.
طالب آخر: لا، له.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأنَّ من تقدير الله فِعْل الأسباب.
الشيخ: إي نعم، من تقدير الله فِعْل الأسباب، والدليل على ذلك قولُ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لأبي عبيدة حينما قرَّر رضي الله عنه الرجوعَ عن السفر إلى الشام لَمَّا وقع الطاعون، قال: يا أمير المؤمنين أفِرارًا من قَدَر الله؟ فقال له عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نحن نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله .
طالب: التسليم والانقياد لله.
الشيخ: إي، هذا صِدْق الاعتماد على الله، بس الاختلاف في اللفظ، نعم، ما نقتصر على هذا؟
طالب: التسليم لقضاء الله وقدره.
الشيخ: أيضًا نفس الشيء، نكتفي بهذا، وأظنُّ أنَّا ذكرنا في الكتاب المختصر هذا عقيدة أهل السنة والجماعة ذكرنا فوائده، نعم، لو نرجع إليه بعد يمكن فاتنا شيء منها.
طالب: (...).
الشيخ: (...) القدر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما رأيكم؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) الأربع وليس له إلا رِجلان.
طالب: هناك فائدة أثرية.
الشيخ: كيف أثرية؟
الطالب: ليذوق طعم الإيمان.
الشيخ: إي، آثاره يعني، والظاهر قريبة هذه من الاعتماد على الله.
طالب: يا شيخ سؤال؛ كيف نجمع بين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق عليه: مَن أراد أن يُنسأ له في عمره ويُنسأ له في رزقه فليصِلْ رحمه.
الشيخ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ».
الطالب: «فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ، وبين حديث أم حبيبة (...)؟
الشيخ: طيب، الأصل لا معارضة بينهما؛ لأنَّ كون الإنسان..
الطالب: (...).
الشيخ: هو الآجال مضروبة، والأرزاق مضروبة، والجنة لأصحابها مضروبة، والنار لأصحابها مضروبة، كلُّ شيء (...)، حتى الجنة لها أسباب، فلا إشكال. ولكن قول الرسول: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» هذا يدلُّ على أنَّ صِلَة الرحم من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وقد اضطربتْ آراء العلماء في ذلك وإجابتُهم عن هذا الحديث؛ فبعضهم قال: المراد بالنَّساء يعني البركة، فيكون الوقت القليل في حقِّه كأنه وقتٌ كثير، والصواب أنه على ظاهره وأنَّ المراد بذلك هو حثُّ الإنسان على هذا الفعل؛ لأنك ما تعلم، ومَن أراد الله تعالى له أن يَصِل رحمه فقد أراد الله له أن ينسأ في أثره، كما أن من أراد الله أن يدخل الجنة فإنَّه قد أراد له أن يعمل عملَ أهلِ الجنة، ولا فرق.
وأمَّا الحديث اللي ذكرتَ -حديث أم حبيبة- فإنه يقال: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يوجِّهها إلى أن تدعو لهم بما هو أهمُّ من طول البقاء؛ لأنَّ طول البقاء قد يكون شرًّا للإنسان.
طالب: شيخ، ما هو الدليل على ترتيب المقدرات بالإيمان (...) يا شيخ؟
الشيخ: واضح؛ لأنَّ العلم سابق على الكتابة، والكتابة سابقة على الإرادة، والإرادة سابقة على الخلْق.
طالب: إثبات عِلم الله عز وجل وعظمته (...)؟
الشيخ: إلا، كيف؟ هذا دليل على هذا، على..
الطالب: أقول: من فوائد الإيمان العلمُ بعلم الله عز وجل وعظمته سبحانه.
الشيخ: نعم، كلُّ المراتب الأربعة هذه كلُّها من فوائده.
قال رحمه الله تعالى: (وقال ابن عمر: والذي نَفْسُ ابن عمر بيده).
قوله: (نَفْس) المراد به الروح. وهل المراد: الذي نفسه بيده؛ أي: قَبْضُها، أو أنَّ المراد ما هو أعمُّ من التدبير والتصريف وغير ذلك؟ المراد ما هو أعمُّ.
(والذي نَفْس ابن عمر بيده) وإنما أقسمَ رضي الله عنه لأهمية الأمر، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ القسم يُراد به تأكيدُ المقسَم عليه، وأنَّه لا يختصُّ بحال الإنكار أو التردُّد، وقد عَلِمتم في البلاغة أنَّه إذا كان الإنسانُ متردِّدًا يؤكَّد له الخبر استحسانًا، وإذا كان منكِرًا يؤكَّد له أيش؟ وجوبًا، ولكن هذا لا يمنع أن يؤتى بالتوكيد بدون إنكارٍ إذا كان الأمر ذا أهميةٍ شديدة فإنَّه قد يؤكَّد بالقَسَم لأهميته، ابنُ عمر رضي الله عنه أقسمَ لأنَّ المقام مقامٌ عظيم.
(لو كان لأحدهم مِثْل أُحُدٍ ذهبًا). (ذهبًا) هذه تمييز؛ لأنها ميَّزت المبهَم في قوله: (مِثْل أُحُدٍ)، فإنَّ (مِثْل أُحُد) ترابًا؟ أسألكم.
طلبة: لا.
الشيخ: فضةً؟
الطلبة: لا.
الشيخ: حديدًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: نحاسًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: (ذهبًا). فلمَّا مَيَّزت المبهَم وعيَّنته قُلنا: إنها تمييز.
(ثم أَنْفَقَه في سبيل الله) أي: في شريعته؛ لأن سبيل الله تعالى هو شريعته كما قال الله تبارك وتعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] أي: عن شريعته.
ويمكن أن يقال: (في سبيل الله) هنا السبيل الخاص، وهو الجهاد في سبيل الله؛ لأنَّ النفقة في الجهاد من أفضل النفقات.
(ما قَبِلَه الله منه حتى يؤمنَ بالقدَر). لماذا؟ لأنَّه إذا لم يؤمن بالقدر كان كافرًا، والكافر لا يَقْبل الله منه شيئًا؛ كما قال تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤].
فعلى هذا لو أنفق الكافرُ مثل أُحُدٍ ذهبًا ما قُبِل منه كما في الآية التي سُقْتُها، وكذلك قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣].
يقول: (حتى تؤمن بالقدر. ثم استدلَّ) مَن؟ ابن عمر (بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ..» ).